إيران.. هل من فرصة لاستعادة الدور الإقليمي والدولي؟
بارزان الشيخ عثمان
يُطرح هذا التساؤل كمدخل لبحثٍ معمق في مآلات السياسة الإيرانية، وهو موضوع تتعدد فيه القراءات وتتشعب. وعلى الرغم من أنني اعتدت -عبر مسيرة تمتد لأكثر من 35 عاماً- على تناول أحداث الساعة من خلال نافذة التعليق الإذاعي المستند إلى مرجعيات بحثية، إلا أنني أجد في هذا العنوان مادةً تستحق مقاربةً من زاوية مختلفة، بعيداً عن السرد المعتاد.
إيران: «شبه قارة» وثقل لا يمكن تجاهله ثمة إجماع بين المراقبين على أن إيران لا تُصنف مجرد دولة عادية، بل هي «شبه قارة» بخصائص جيوسياسية واقتصادية وسكانية تجعل من تجاهلها خطأً استراتيجياً. ومع ذلك، يؤكد المحللون أن هذا الثقل لا يمنح طهران صكاً على بياض للتمادي في سياساتها الحالية أو فرض هيمنة إقليمية بالآليات المتبعة حالياً.
جذور الأزمة ومسببات العزلة
تضع القوى الدولية طهران في دائرة الاتهام، معتبرةً إياها بؤرة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. ويمكن إجمال الأسباب التي أدت إلى تآكل مكانة إيران الدولية في النقاط الجوهرية التالية:
• تصدير الأيديولوجيا: التمسك بمحاولات فرض التوجهات الدينية والمذهبية على المحيط الإقليمي والدولي.
موقف متشدد
• الصدام مع المنظومة الدولية: الموقف المتشدد تجاه دولة إسرائيل وعدم الاعتراف بوجودها.
• تهديد المصالح الحيوية: تقويض النفوذ والمصالح الأمريكية والأوروبية في منطقة الشرق الأوسط.
• الطموح النووي: الإصرار على استكمال البرنامج النووي، مما حوله إلى عبء استراتيجي واقتصادي.
• دعم الفاعلين من غير الدول: التورط في تمويل ودعم الميليشيات عسكرياً وإعلامياً في دول مثل لبنان، والعراق، واليمن، وفلسطين.
• لغة الشعارات: الاستمرار في تبني خطاب سياسي وشعارات شعبوية عفا عليها الزمن.
لقد أدت هذه السياسات إلى انحسار الدور الإيراني وتحول الدولة إلى كيانٍ منعزل ومحاصر، يواجه تداعيات اقتصادية واجتماعية خانقة. وبات البرنامج العسكري، الذي يُعد الأولوية القصوى للنظام، عاملاً رئيساً في تأزيم الأوضاع المعيشية للشعب الإيراني، وسلبه حرياته الأساسية ومستلزمات الحياة الكريمة.
التحديات الوجودية ورهان «الفرصة الأخيرة»
منذ عام 1979، وجدت إيران نفسها في حالة استنزاف دائم نتيجة صراعاتها الممتدة، ما دفع بها إلى عزلة دولية ووضعها في خانة القوى الأكثر إثارة للجدل. وتأتي الضربات الأخيرة لتفاقم من أزمة البنى التحتية والقدرات العسكرية، مما يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل من مسار للتعافي في ظل هذا الدمار؟
فرصة متاحة
يرى مراقبون سياسيون أن الفرصة متاحة أمام القيادة الإيرانية لإعادة قراءة المشهد، والاعتراف بأخطاء العقود الأربعة الماضية.
فالعودة إلى لغة المنطق قد تفتح الباب لتغيير الواقع المأزوم، خاصة وأن إيران تمتلك إرثاً حضارياً وتاريخياً يمنحها ثقلاً استحقاقياً كقوة محورية في آسيا والشرق الأوسط.
هل تختار طهران «البراغماتية»؟
تؤكد مراكز البحوث السياسية أن النظام الإيراني قد يجد نفسه أمام خيار «البراغماتية» للبقاء، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية الإيرانية بـ «التقية السياسية»، حيث تُقدم مصلحة النظام والحفاظ على أركان الدولة على الشعارات الأيديولوجية الجامدة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تخلياً عن التعنت والانصياع لمتطلبات العصر. ففي حال لم تدخل القيادة الإيرانية في صفقات استراتيجية واقعية، وتنتقل إلى سياسة «العقلانية والمصالح الوطنية»، فإنها ستفقد الفرصة التاريخية المتاحة حالياً، مما يعني خسارة مضاعفة للنظام وللشعب الإيراني على حد سواء.