الخدمة العسكرية الإلزامية في عراق موحّد
نجيب الرمضاني
ليست مجرد زي موحد ولا أرقام تدون في سجلات رسمية بل هي حكاية وطن تكتب كل يوم على وجوه الشباب القادمين من كل الجهات.
هناك حيث تختفي أسماء المحافظات لتحل محلها كلمة واحدة العراق يلتقي ابن الموصل الحدباء بأخيه من البصرة الفيحاء ويصافح القادم من الأنبار زميله من العمارة فتذوب المسافات التي صنعتها الجغرافيا وتتهاوى الحواجز التي نسجتها الصور النمطية في ساحة التدريب لا يسأل المرء من أين أتيت؟ بل ماذا تستطيع أن تقدم؟ وكيف تكون سندآ لرفيقك؟
في تلك اللحظات حين يتقاسم الجنود رغيف الخبز وجرعة التعب وحين يقفون صفآ واحدآ تحت شمس واحدة يتشكل نوع آخر من الانتماء… انتماء لا تحده لهجة ولا تفرقه عادات بل يجمعه هدف واحد أن يبقى هذا الوطن قائمآ في القلوب قبل الأرض.
الخدمة العسكرية في معناها الأعمق مدرسة للحياة تعلم الصبر كما تعلم الشجاعة وتزرع في النفوس معنى التضحية لكنها قبل ذلك وبعده تصنع جسورآ خفية بين أبناء الوطن جسورآمن ثقةٍ واحترام ومن معرفة حقيقية بالآخر لا تلك المعرفة السطحية التي تبنى على السماع.
غير أن هذه الصورة لا تكتمل إلا إذا قامت هذه الخدمة على أسس العدالة والكرامة وعدم التفرقه بين الغني والفقير ولا ابن الوزير مع ابن الخفير حيث يشعر الجميع أنهم متساوون في الواجب كما هم متساوون في الحقوق. عندها فقط تتحول الثكنة إلى وطنٍ مصغر وتصبح الخدمة العسكرية مرآة تعكس أجمل ما في المجتمع من وحدة وتآلف.
وهكذا تبقى الخدمة العسكرية الإلزامية أكثر من مجرد واجب… إنها فرصة لأن يتعرف الوطن إلى نفسه وأن يكتشف أبناؤه أنهم رغم اختلافهم أقرب مما كانوا يظنون فتكون العلاقات وتبدأ الصداقات ويحس الجميع بأن في أي محافظه له أهل وأصدقاء...