الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نيجيرفان البارزاني.. صناعةُ السلام في قلبِ العاصفة

بواسطة azzaman

نيجيرفان البارزاني.. صناعةُ السلام في قلبِ العاصفة

عطا شميراني

 

في مشهدٍ سياسي إقليمي يتسم بالتعقيد وكثرة التحولات، تبرز شخصيات قادرة على لعب أدوار تتجاوز حدود المناصب الرسمية، ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم نيجيرفان بارزاني بوصفه أحد أبرز الوجوه السياسية التي استطاعت أن ترسم لنفسها حضورًا خاصًا، قائمًا على التوازن والهدوء وبناء الثقة، في بيئة غالبًا ما تطغى عليها لغة الصراع.

يشغل نيجيرفان بارزاني منصب رئيس إقليم كردستان ضمن الدولة العراقية، وهو منصب ذو طبيعة إدارية وسياسية محددة، لكنه استطاع عبر سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي أن يحوّل هذا الموقع إلى منصة تأثير أوسع، تمتد إلى الإقليم والعالم. فالرجل لا يُنظر إليه فقط كمسؤول محلي، بل كفاعل إقليمي يمتلك القدرة على التواصل مع أطراف متعددة، وبناء جسور بين قوى متباعدة في الرؤى والمصالح.

ما يميز شخصية بارزاني هو تلك الكاريزما الهادئة التي لا تعتمد على الخطاب العالي أو الشعارات، بل على لغة واقعية متزنة، تُدرك تعقيدات المنطقة وتتعامل معها بعقلانية. هذه الكاريزما ليست مجرد سمة شخصية، بل هي تعبير عن وعيٍ سياسي عميق يرى أن الصراع ليس قدرًا أبديًا، بل حالة يمكن إدارتها، وتفكيكها، وإعادة توجيهها نحو مسارات أقل كلفة وأكثر إنسانية.في الداخل العراقي، لعب نيجيرفان بارزاني دورًا مهمًا في تعزيز مفهوم الشراكة الوطنية، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق دون تفاهم حقيقي بين مكوناته. وقد اتسمت مواقفه تجاه بغداد بالواقعية، حيث سعى إلى الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، حتى في أوقات التوتر، واضعًا مصلحة الاستقرار فوق الحسابات الضيقة.أما على المستوى الإقليمي، فقد استطاع أن يقدّم إقليم كردستان كنموذج للاستقرار النسبي، وكمنطقة يمكن أن تكون نقطة التقاء بدل أن تكون ساحة صراع. هذا الدور تجلّى بوضوح في مشاركاته الدولية، لا سيما خلال حضوره في أنطاليا، التي أصبحت منصة مهمة للقاءات السياسية رفيعة المستوى. هناك، لا يظهر بارزاني كمجرد ممثل لإقليم، بل كشخصية سياسية تُحاط باهتمام واحترام، ويُنظر إليها كشريك في النقاش حول قضايا المنطقة.

حضور فعلي

في أنطاليا، يلتقي بارزاني مع قادة دول ومسؤولين كبار، من بينهم رجب طيب أردوغان، وشهباز شريف، وأنور إبراهيم، إلى جانب شخصيات أوروبية ودولية. هذه اللقاءات لا تندرج فقط ضمن الإطار البروتوكولي، بل تعكس حضورًا فعليًا في النقاشات المتعلقة بالأمن الإقليمي، وسبل الحد من التوتر، وتعزيز الاستقرار.اللافت في هذه اللقاءات أن نيجيرفان بارزاني، رغم كونه رئيس إقليم وليس رئيس دولة مستقلة، يُعامل غالبًا بندّية واحترام يعكسان مكانته الشخصية والسياسية. وهذا يعيد طرح سؤال فلسفي قديم: هل السلطة تُستمد من الموقع، أم من القدرة على التأثير؟ في حالة بارزاني، يبدو أن التأثير هو الذي أعاد تعريف الموقع، لا العكس.من أبرز ملامح شخصيته أيضًا إيمانه العميق بأن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل حضورٌ للعدالة والتفاهم. ففي منطقة عانت طويلًا من العنف، يقدّم خطابًا مختلفًا، يُراهن على الحوار كأداة، وعلى الثقة كمسار، وعلى الزمن كحليفٍ لتراكم الحلول.كما يُعرف بقدرته على الجمع بين الواقعية والطموح؛ فهو يدرك حدود الممكن في السياسة، لكنه في الوقت ذاته يعمل على توسيع هذه الحدود بهدوء، عبر الدبلوماسية والعلاقات المتوازنة. وهذه المقاربة ليست تكتيكًا عابرًا، بل فلسفة قائمة على أن التغيير الحقيقي لا يحدث بالصدمات، بل بالتراكم.إن كاريزما نيجيرفان بارزاني ليست مجرد حضور شخصي، بل انعكاس لرؤية سياسية ترى في التهدئة قوة، وفي الحوار شجاعة، وفي التوازن حكمة. فهو لا يتحدث فقط باسم إقليم كردستان، بل يحمل خطابًا أوسع، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، وبين القوة والسلام.في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعقد فيه التوازنات، يبقى نيجيرفان بارزاني مثالًا لسياسي استطاع أن يحوّل موقعه إلى دور، وأن يجعل من شخصيته جسرًا بين المختلفين. وكأن تجربته تقول إن أعقد الصراعات لا تُحل بالقوة وحدها، بل بفهمٍ أعمق للإنسان، وبإرادةٍ تصرّ على أن السلام، رغم هشاشته، هو الخيار الأكثر واقعية.


مشاهدات 118
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/04/19 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/04/20 - 3:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 129 الشهر 16530 الكلي 15234603
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير