حقق بها سبقا تاليفيا ..
ما الهدية التي قدمها المفكر صالح الطائي في شهر رمضان المبارك ؟
عبد الحميد الكناني
***
دأب المفكر الاسلامي الكبير الدكتور صالح الطائي منذ زمن طويل على مواجهة المظاهر الجديدة التي تستهدف الدين الاسلامي الحديث بعدد من الكتب والاصدارات المتصدية لتلك الظواهر.
واليوم يؤكد هذا المنهج الذي اعتمده مسارا له كمفكر ينافح عن بيضة الاسلام وعفافه وجوهره، بمواجهة الجهات التي تعادي الاديان وفي مقدمتها الغربية والصهيونية.
فضلا عن أصحاب الأفكار المنحرفة والهدامة في الاسلام، ومنها فرق متوحشة أساءت للدين الاسلامي الحنيف وشوهت صورته النظرة.
واليوم وبمناسبة شهر مضان المبارك لهذا العام يقدم هديته الفاخرة للدين الاسلامي الحنيف ولجموع المسلمين والأديان الاخرى، وهي كتابه القيم المهم والخطير في الفكر الاسلامي الذي حمل عنوان (الإله الرقمي: رهان الحاضر وتحديات المستقبل) الذي صدر مؤخرا، ويتألف الكتاب من خمسة فصول هي: الفطرة والأديان من الاكتشاف إلى الاختراع، وروحانيات الدين واللادين، والإله الرقمي موت الحقيقة وولادة الوهم، والوعي من اللاهوت إلى الإنترنت العصبي، والفصل الخامس: اللاهوت وعالم بلا دين. فضلا عن مقدمة عامة وتمهيد ثري، وتعريفات تمهيدية. وزعت على ٣٠٠ صفحة، من القطع الكبير. ناقش من خلالها هذا التحدي الجديد للدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص.
ويقول : في هذا العالم المعقد المليء بالأسرار والتحديات عادت الاسئلة القديمة التي شغبتنا وشغلتنا طويلا دون أن نعثر لها على جوانب، لتطل بثوب جديد محملة بتحد جديد في حضرة تسارع تكنولوجي جديد ومرعب حوَّل الروح إلى مجرد بيانات، واختزل تجربة الوجود في الفرضيات والخوارزميات ليراوح وجود الإنسان بين صفر وواحد.
والإله الرقمي واحد من التعبيرات المعاصرة، استخدم للإشارة إلى الكيان الافتراضي الميتافزيقي الذي انبثق من عنق التكنولوجيا الرقمية، ليصبح السلطة العليا الجديدة بعدما اسبغوا عليه صفة الربوبية من خلال إسقاط مفاهيم الألوهية التقليدية عليه سواء بوعي منهم أو دون وعي، لذا باتوا ينظرون إليه بوصفه كلي المعرفة، وكلي الحضور، وكلي القدرة، وهي صفات الربوبية التي نعرفها.
وسبب تسارع هذا التحول المهول نحو الانحطاط، لا نحو الرقي، في زمن تسللت فيه التكنولوجيا إلى أعمق طبقات الوعي الإنساني، وقامت بإعادة تشكيل تصورات الإنسان عن الوجود والحقيقة، بل حتى عن الله سبحانه وتعالى. والإجابة على اسئلة عدة وملحة تشغل البال.
منها: هل الأديان اكتشاف فطري ام اختراع حضاري؟
ولماذا ضعفت الروحانية الدينية اليوم، بينما نمت البدائل اللاتينية الرقمية الهجينة بديلا عنها؟
ولماذا راح الإنسان يتخلى عن سماع قول الله ليتفرغ لسماع عزف الات الانشاد التي يصنعها وبتخمها بالألحان رجال يزاولون عمل الأنبياء، مع انهم لا يدعون النبوة، ولا يعترفون برب يرسل الانبياء، وتعزفها التكنولوجيا وتحولها الى السيرفرات؟
وهل يعني هذا أن الإنسان المعاصر يقف اليوم على أعتاب ميلاد إله رقمي ليكون بديلا للإله الكوني العظيم؟
واي مصير اسود ينتظر الروح في عصر يمكن أن ينتج كل شيء إلا الطمأنينة واليقين؟
وماذا ستكون تداعيات ذلك على الوجود الإنساني؟
فضلا عن عشرات الاسئلة المهمة الحائرة الأخرى.
ويبين المفكر الطائي أن دعاة هذه الصرعات والابتكارات التي في ظاهرها علمية، ولكن بواطنها تعكس غير ذلك من غايات خبيثة، بقوله: ولكي يرسخوا في عقول البشر صفات الإله الرقمي التي يريدونها أن تبدو وكأنها تتفوق على الصفات الإلهية، عملوا بحد ليجعلوه يبدو وكأنه يتمتع بـ " الحضور الكلي " عبر الانترنيت وأجهزة الهواتف الذكية وأجهزة المراقبة، ومن خلال ذلك أصبح الإله الرقمي حاضرا في كل لحظة من لحظات الحياة، يراقب ويوجه ويوصي ويحذر.
والملاحظ أن هذا الحضور الكلي لا يختلف كثيرا ولاسيما من حيث الأثر النفسي عن الحضور الإلهي التقليدي في حياة المتدينين. وهي استعارة فيها دلالة على وجود نيات خبيثة مبيتة.!
والا ما الغاية من وراء ذلك كله إذا ما كانوا قد اعترفوا بالحضور الإلهي واقتبسوه ليسبغوه على الإله المصنع داخل الخوارزميات؟
وتسائل: ويبدو مما تقدم أن رحلة الإنسان الطويلة من الرهبنة والقلق والخوف إلى التقديس والاطمئنان والسمو المعرفي، ومن الحيرة إلى الإيمان، ومن العبادة الساذجة إلى التوحيد الخالص، تبدو وكأنها قاربت على الانتهاء أو التبدل لترجع دورة معاكسة ستقودها من الإيمان الى الشك المطلق، كانت بدايتها مع اللحظة التي بدأ الإنسان فيها يقارن بين الله تعالى والإله الرقمي، فظهر أنه يفضل الإله الرقمي عليه حاشاه جل وعلا.
غير أنه يؤكد: لكن رغم شدة تأثير هذه التبدلات على يقينه، وحتى حينما بدأ كما لو كان قد ودع الإله القديم الذي كان بعبده، إلا لأنه حتى هذه اللحظة لم يتخلص بعد من الحنين الى الرب الذي كان بعبده، وذلك لأن وشل الروحانية الدينية لازالت بقاياه في كأسه الذي يحمله داخل عقله، ولكن ليس كما كان من قبل، ولاسيما بعد أن ولدت اشكال جديدة من الروحانية التفسيرية والتأويلية التي تلبس قناع العلم والعرفان والتأمل الروحي، والتي تم تصنيعها داخل المنصات الرقمية من قبل مصنعين يتقنون العمل ويجيدون التثقيف عليه.
ويخلص إلى فرضية صادمة وهي: أن كل هذه المحاولات المستندة على الاختراعات والابتكارات ستنجح في خلق انسان جديد لا تعد رؤاه تتوافق مع الإله التقليدي المعروف، لأن الإله التقليدي الذي كانت البشرية قد آمنت به منذ مراحل وعيها الاولى لم يعد ـ بزعمهم ـ قادرا على تلبية مطامع الإنسان بسبب تداخل الكائنات البشرية مع الآلات والبيئة والأنظمة المعلوماتية.
وهذا ما قاده للتساؤل مرة أخرى: ترى هل توافق كل هذه الطروحات والفرضيات والمحاولات فكرة الإنسان؟ ام تتعارض معها كليا؟
وهل يحتاج الإنسان حقا إلى إله جديد؟
وكيف سيتعامل مع هذا الإله، وهو قد تمرد على إله ثابت القدرة عالما بكل شيء، أثبتت العقول النقية وجوده والحاجة الدائمة اليه؟
بقي أن نقول: أن هذا الكتاب الذي يبدو أنه أجهد كاتبه ومؤلفه لما تعرض به إلى من مخاطر تهدد الاديان ممثلة بالإله الرقمي. هو أيضا دراسة رائعة عن الأديان والأفكار المنحرفة منذ تاريخ البشرية وحتى الآن.
ويتوفر على الموضوعية والموسوعية والمتعة والعمق الفكري والإشارات الفلسفية.
فضلا عن لغته الأسرة، والأسلوب الذي لا يبعث على الملل والضجر مع شائكية وصعوبة تناولاته.
وجدير بالاحتفاظ به بالمكتبات الشخصية.
وختاما نقدم شكرنا للمفكر الاسلامي الكبير الدكتور صالح الطائي على هديته الرمضانية العطرة، والتي لم تكن بمحتوى الكتاب فحسب.
وانما بالكتاب نفسه الذي أرسله لنا وبعض الإخوة من مدينة الكوت الشماء، التي شهدت اشراقاته ونسائمه فوق أديمها وفي اجوائها.