مفاوضات أمريكا وإيران في باكستان..الطاولة التي انكسرت قبل الاتفاق
راجي العوادي
بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو العاصمة الباكستانية إسلام آباد، محمّلة بآمال كبيرة لإنهاء واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في العصر الحديث، جاء الإعلان المفاجئ عن مغادرة الوفد الأمريكي برئاسة جيه دي فانس ليضع حدًا لتلك التوقعات، معلنًا انكسار طاولة المفاوضات قبل أن تجف مسوداتها الأولى .
لقد نجحت الدبلوماسية التي قادتها باكستان في تحقيق اختراق مهم تمثل في جمع الولايات المتحدة وإيران وجهًا لوجه، وهو إنجاز لم تفلح فيه عواصم كبرى, غير أن هذا النجاح الإجرائي لم يكن كافيًا لتجاوز تعقيدات الجغرافيا السياسية ، حيث اصطدمت البراغماتية الأمريكية بجدار من الريبة الاستراتيجية الإيرانية ، في مشهد عكس عمق الفجوة بين الطرفين.
لقد تكشفت القراءة المتأنية لأسباب الإخفاق عن تصادم مشروعين متناقضين؛ فمن جهة ، سعت واشنطن إلى فرض مقاربة الحسم السريع عبر تقديم ما وصفته بـالعرض النهائي، وهو طرح يهدف إلى تأمين الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز، وتقليص النفوذ الإقليمي الإيراني مقابل حزمة محدودة من التسهيلات ، بما يسمح لها بإعادة توجيه اهتمامها نحو ملفات دولية أخرى.
في المقابل ، تمسكت طهران باستراتيجية الصمود والمساومة المنبثقة من مفهوم الاقتصاد المقاوم ، رافضة أي اتفاق لا يتضمن رفعًا شاملًا ودائمًا للعقوبات ، ومؤكدة أن أي عرض لا يرتكز على ضمانات قانونية ملزمة يظل عرضة للانهيار مع تغير الإدارات السياسية في واشنطن.
ولم يكن مضمون “العرض النهائي” وحده موضع الخلاف، بل إن دلالاته السياسية لعبت دورًا حاسمًا في إفشال المفاوضات؛ إذ فُسِّر في الثقافة السياسية الإيرانية بوصفه لغة إملاءات لا تفاوض، الأمر الذي دفع الوفد الإيراني إلى التشدد لتفادي أي انعكاسات داخلية قد تُصوّره بمظهر المتراجع, ومع غياب آليات دولية ضامنة، وفشل الطرفين في فصل ملف أمن الطاقة عن القضايا الإقليمية الأوسع، وصل الحوار إلى طريق مسدود.
غير أن هذا الإخفاق لا يمكن فهمه فقط من خلال مواقف الطرفين، بل يجب النظر أيضًا إلى حدود الدور الوسيط الذي حاولت باكستان القيام به, فنجاح الوساطة لا يقتصر على جمع الخصوم ، بل يتطلب امتلاك أدوات ضغط أو حوافز مؤثرة ، وهو ما بقي محدودًا في الحالة الباكستانية مقارنة بقوى دولية أخرى.
وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل ما جرى عن تحولات النظام الدولي، حيث لم تعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على فرض إيقاع التفاوض، في ظل تنامي أدوار قوى مثل الصين وروسيا، وهو ما يمنح إيران هامش مناورة أوسع ويحدّ من فعالية الضغوط التقليدية, فطهران لم تعد تتفاوض من موقع العزلة، بل ضمن شبكة علاقات دولية تقلل من كلفة التعنت.
أن أزمة الثقة بين الطرفين تمثل عاملًا حاسمًا في تفسير هذا الإخفاق، وهي أزمة تراكمت عبر محطات مفصلية ، أبرزها انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني 2015 ما رسّخ قناعة لدى صانع القرار الإيراني بأن أي اتفاق لا تضمنه آليات دولية صارمة سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار, وبذلك لم تعد المفاوضات مجرد نقاش حول بنود ، بل تحولت إلى اختبار لإمكانية إعادة بناء الثقة ، وهي مهمة أكثر تعقيدًا من التوصل إلى اتفاق تقني.
إن انكسار هذه الطاولة لا يعني العودة إلى نقطة الصفر فحسب ، بل يفتح الباب أمام فراغ دبلوماسي مقلق قد يدفع نحو مزيد من عسكرة الممرات المائية وتسريع وتيرة البرامج النووية , كأدوات ضغط متبادلة, وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة عالقة في حالة اللاحرب واللاسلم ، بانتظار متغير دولي أو إقليمي يعيد تشكيل شروط التفاوض.
اخيرا في إسلام آباد، لم تنكسر طاولة التفاوض بسبب غياب الاتفاق فقط ، بل لأنها كشفت خللًا أعمق في ميزان الثقة قبل ميزان القوة ؛ فحين تغيب الضمانات ، تتحول المفاوضات من أداة للحل إلى ساحة لإعادة إنتاج الأزمة ، وتغدو كل جولة تفاوضية مجرد محطة مؤقتة في صراع مفتوح على احتمالات متعددة.
اكاديمي وكاتب مستقل