الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العرب بين مطرقة التحولات الدولية وسندان الحروب الوجودية. 

بواسطة azzaman

العرب بين مطرقة التحولات الدولية وسندان الحروب الوجودية

حسين باجي الغزي

 

لم تعد الصراعات الدائرة في المنطقة مجرد جولات عسكرية سريعة أو مواجهات محدودة يمكن حسمها بضربة قاصمة. فبعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران، بنت استراتيجيتها على مبدأ المطاولة والاتصال؛ أي القدرة على الاستمرار في الصراع لفترات طويلة مع الحفاظ على شبكة تأثير ممتدة عبر الإقليم سياسياً وعسكرياً وأمنياً. هذه القدرة لا تقوم فقط على القوة الصلبة، بل على منظومة من الحلفاء والامتدادات الجغرافية وأدوات الردع غير التقليدية، ما يجعل أي مواجهة معها أقرب إلى حرب استنزاف طويلة يصعب حسمها سريعاً. ومن هنا، فإن فهم طبيعة هذه القدرة على الصمود والتكيف يمثل مدخلاً ضرورياً لفهم التحولات الكبرى التي تعيشها المنطقة اليوم.

تعيش المنطقة العربية اليوم مرحلة كاشفة، حيث أسقطت التحولات الجيوسياسية الأخيرة كثيراً من الشعارات الدولية التقليدية، ووضعت شعوب المنطقة في مواجهة مباشرة مع واقع يتسم بالقوة القهرية. وفي هذا المشهد، يظهر الإنسان العربي كأكثر من يدفع كلفة الصراعات الدولية، إذ إن نسبة كبيرة من النازحين واللاجئين في العالم تنتمي إلى هذه المنطقة.

كما كشفت السنوات الأخيرة عن تغير واضح في طبيعة العلاقات الدولية، حيث تراجعت القواعد السياسية التقليدية لصالح سياسات أكثر صدامية. وقد تجسد ذلك في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، التي انتقلت من ضغوط دبلوماسية إلى صراع مفتوح تتبنى فيه واشنطن سياسة الضربات القاصمة لإضعاف البنية الداخلية، بينما تعتمد طهران استراتيجية توسيع دائرة الضغط عبر تهديد منشآت الطاقة وممرات الملاحة، خصوصاً مضيق هرمز.

هذه المواجهة تتجاوز بعدها السياسي إلى صراع حول شكل النظام الإقليمي. فمحاولات تغيير موازين القوى قد تفتح الباب أمام سيناريوهات فوضى شبيهة بتجارب سابقة في المنطقة، حيث يؤدي انهيار السلطة المركزية إلى صراعات داخلية وتقسيمات تزيد من هشاشة الواقع الإقليمي.

على المستوى العربي، أثبتت الأزمات المتلاحقة تراجع فكرة العمل العربي المشترك أمام حسابات المصالح الضيقة، لتحل محلها تحالفات جزئية ومتغيرة. وقد ساهم هذا التشرذم في فتح المجال أمام التدخلات الخارجية وتحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية والتكنولوجية، بما في ذلك الحروب السيبرانية وأدوات الضغط غير التقليدية.

داخلياً، تواجه الدول العربية تحدي بناء أنظمة سياسية أكثر قدرة على الصمود. فضعف الحياة الحزبية وغياب المشاركة السياسية الفاعلة يضعفان الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إصلاحات سياسية تعزز التوازن المؤسسي وتمنح المجتمعات دوراً أكبر في صنع القرار.

وفي النهاية، يبقى الرهان على وعي الشعوب بقدرتها على حماية مصالحها؛ فالتاريخ يثبت أن القوى الكبرى، مهما بلغت قوتها العسكرية والتكنولوجية، تظل عرضة للتحول حين تفقد العدالة في إدارة علاقاتها مع الآخرين.

 


مشاهدات 262
الكاتب حسين باجي الغزي
أضيف 2026/03/14 - 2:01 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 10:38 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 844 الشهر 12185 الكلي 15004254
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير