التصوف رسالة توازن في زمن الاضطراب
نوري جاسم
في اللحظات التي تتكاثف فيها أزمات العالم، وتتصاعد فيها نُذر الصراع والتوتر بين الشعوب والدول، تصبح الحاجة ملحّة إلى صوتٍ حكيم يعيد التذكير بجوهر الرسالة الإنسانية التي جاء بها الدين، صوتٍ يذكّر الناس بأن جوهر الحياة لا يقوم على الصراع بقدر ما يقوم على التوازن، ولا على القسوة بقدر ما يقوم على الرحمة والمحبة. ومن هذا الأفق الروحي والإنساني جاء البيان الصادر عن حضرة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان رئيس الطريقة العلية القادرية الكسنزانية في العالم، موجهاً إلى أبناء الطريقة في العراق والعالم، ليحمل في طياته دعوة صادقة إلى استعادة المعنى العميق للدين بوصفه طريقاً لإصلاح الإنسان وبناء السلام في المجتمع. وإن هذا البيان لا يقف عند حدود التوجيه الروحي لمريدي الطريقة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليقدّم رؤية متكاملة لموقع التصوف في عالمٍ مضطرب، عالمٍ تتداخل فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتشابك فيه الصراعات التي تهدد استقرار المجتمعات وسلام الإنسان. فالبيان ينطلق من حقيقة أساسية مفادها أن الإنسان حين يبتعد عن فطرته وعن القيم التي أودعها الله في داخله، فإنه يفتح الباب أمام الفوضى والاضطراب. ومن هنا تأتي الدعوة إلى العودة إلى منابع الصفاء الروحي، من خلال الذكر والعبادة والصلاة على النبي محمد ﷺ، بوصفها مفاتيح لإحياء القلب وإعادة التوازن إلى النفس البشرية. وفي جوهر هذه الرسالة يظهر البعد الإنساني العميق للتصوف الإسلامي، ذلك البعد الذي يرى في الإنسان كائناً خُلق للمحبة والخير، وأن الطريق إلى إصلاح العالم يبدأ بإصلاح القلب، لأن القلب إذا استقام استقام معه السلوك، وإذا صلح الإنسان صلح المجتمع. كما يذكّر البيان بأن التصوف لم يكن في يوم من الأيام طريق انعزال عن الحياة أو ابتعاد عن قضايا الناس، بل كان دائماً مدرسة أخلاقية وروحية تسهم في تهذيب النفوس وترسيخ قيم الرحمة والتسامح بين البشر، وهو ما يجعل رسالته اليوم أكثر أهمية في مواجهة موجات التطرف والكراهية التي تحاول تشويه صورة الدين وإبعاده عن رسالته الحقيقية. وفي شهر رمضان المبارك، الذي تتجدد فيه معاني الرحمة والتوبة والعودة إلى الله، تأتي هذه الدعوة لتؤكد أن العبادة ليست طقوساً شكلية فحسب، بل هي طريق لبناء الإنسان المتوازن القادر على أن يكون عنصراً فاعلاً في نشر الخير والسلام في مجتمعه. إن الرسالة التي يحملها هذا البيان هي في جوهرها رسالة أمل، تذكّرنا بأن العالم، مهما اشتدت فيه الأزمات، لا يزال قادراً على أن يستعيد توازنه إذا عاد الإنسان إلى القيم الكبرى التي تجمعه بغيره من البشر: قيم الرحمة، والمحبة، والتعاون، والسلام.
وهنا تتجلى حقيقة التصوف بوصفه مدرسة روحية وإنسانية قادرة على أن تفتح أمام الإنسان أبواب الطمأنينة، وأن تذكّره بأن الطريق إلى الله ليس طريق صراع مع الآخرين، بل طريق مصالحة مع النفس، وتآلف مع الناس، وسعي دائم لبناء عالمٍ أكثر إنسانية.
ولعل أهم ما يميز هذا البيان أنه لا يقدّم خطاباً نظرياً مجرداً، بل يدعو إلى ممارسة عملية لهذه القيم من خلال الذكر والصلاة على النبي الكريم، وترسيخ روح المحبة بين الناس، ليكون التصوف بذلك قوة بناء أخلاقي وروحي في المجتمع، لا مجرد تجربة فردية معزولة.
إن العالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج إلى هذه اللغة الروحية الهادئة التي تذكّر الإنسان بإنسانيته، وتعيد إليه الإيمان بأن الخير لا يزال ممكناً، وأن السلام يبدأ دائماً من القلب. ✨ وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .