الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
على شرفات المساء

بواسطة azzaman

على شرفات المساء

 حامد عبدالصمد البصري

 

استيقظت من قيلولتي ، نظرت إلى الساعة المشدودة على معصمي 

كانت تشير إلى الخامسة عصراً

جلست بسرعة....!

وقلتُ:- الحمد لله لم أبق نائما إلى العيلولة-

هيأتُ نفسي ، لنزهة قصيرة في البستان المجاور لبيتنا 

في قرية الحمزة (المحيلة)  في أبي الخصيب

مشيتُ بهدوء ، أتأمّل وجوه الفلاحين :(ياسين أبو طه ،عبود أبو صادق ، جليل طه ،منصور) كانت وجوههم ساطعة ،بصفاء التعب ، وبهاء الجد ونقاء المثابرة .

فجأة ..وأنا أنظر إليهم ..وأنقل خطواتي، على أهداب الحشائش

رأيتُ المساء ..يلملم نفسه ، يشرق بين حافة البستان

ثمّ دنا قريباً منّي

 - تذكّرْ يا أيّها الذي يلمّ في كلماته الربيع ، أنّي أنا المساء

أرجوك دع ْعلى درب القصائد أقدامي ...!-

ابتسمتُ في وجهه وقلتُ :

- نقّل خطاك كما تشاء... فالطريق طويل

ستنمو بين جنبيك ، بعد قليل ،ألوف النجوم

وسيعانق جيدك ضوء القمر

وفي نهاية الطريق ،ستقابلك بكل موّدة، ضحكة الفجر الفضيّة –

- أأنتَ ترى ذلك ...كأنّ صوتك بلا صدى ..؟

- نعم أنا أرى ذلك

فأنتَ تمتلك الف قدم وتستطيع السير، وتنتصب  بقامتك بين الارض والسماء-

اقترب منّي كثيراً ..

رفع رأسه إلى الأعلى ، يتأمّل النخيل الباسقات

فجأة طارت حمامة هنا.. وحطّتْ هناك أخرى..

تلفّتَ يميناً ..يساراً ..ثمّ راح يقترب، من شجرة التفاح

- أرجوك أسمحي لي ..أن أستند عليك قليلاً  ، فقد طوّقني التعب-

لم يسمع صوتاً منّها، ولكنّه فسّر :"أنّ السكوت من الرضا"

استند عليها  قطف ورقة منها ،وبدأ يتفحصها .. - اه أنّها جميلة ..!-

دار على نفسه ، وكأنّه بفضاء متلبد بالغيوم

تقدّم نحوي قليلاً ،كان يبدو مضطرباً، يخفي سرائر حبّه ويقول :

انا المساء العاقل ، بكل  افكاري المتجددة

أرى كيف تتنفّس الأرض ،وعلى قدميها غبار السنوات

وأحاديث الناس، وخطواتهم في كل سبيل..!

ولكنّي مع كل هذا تنتابني هواجس ، سأحدّثك عنها بعد قليل –

سكتَ قليلاً

وقد أومأ لي قائلاً : سأجلس تحت شجرة الياسمين

نظرتُ اليه .. وتلفّتُ بحسرات  ، وكادتْ عيوني تطفح بالدموع

وصدري بأوجاع الذكريات

- يا سيدي  أيّها المساء الجنوبيّ

أبتعد كثيراً ،عن هذه الشجرة  ،فهي لي، ولتلك التي أحبّها من سنين

كما أحبّ قريتي، وقهوة الصباح ،كنّا معا نجلس تحتها سعيدين- 

أبتعد عنها قائلاً:

آسف ،أعتذر.. ولكنّي لديّ سؤال لو سمحتَ ...1

– تفضّل بكل سرور..!

 قال لي مقطّبا :

- ماذا لو كنت صباحاً ..بدلاً من المساء ..؟

 هذا سؤالي أيكون بلا جواب..؟

- أكيد يا سيّدي ستشرب الندى ، وتأكل خبز التنور الساخن

مع الشاي المهيّل، بنعناع أبي الخصيب، فالأرض تدور ...تدور

والأمل يمتدّ ...يمتدّ ، وستسمع يا سيّدي صوت الأمهات ..

صوت الحنين الداعي ، فكل الأبناء  يستيقظون صباحاً

للتوجّه للمدارس  أليس كذلك ..؟ ،وترى العصافير مغرّدة

كأنها في مهرجان ، مرحبة بضياء الشمس ،والآفاق تحلّق فيها الطيور

بحثاً عن طعام  لصغارها وترى العالم كلّه حركة –

تأمّلني قليلاً  ..

رجع إلى الوراء ..حدّق في السماء

 قال : أحسنتَ  يا صديق الطيور الجميلة

لكنّي على شرفاتي فوق غصون الأشجار

تبوح العصافير أسراها الغالية 

وعلى عطور أزهاري ، يجتمع العشاق  فرحين

يمتلكون أجنحة من خيال  وعاطفة تمشي بهم زماناً ..زمانا 

ويرسمون قلوبهم ،وهي تبتسم لغد أجمل  -

- كلامك صحيح ..أيّها المساء العاقل   -

حدّق في وجهي وقال :

– سأحمل في جسدي ، تفاصيل يوم جديد

 سأراك غدا يا صاحبي –

نظرتُ إليه، رأيته يلملم فلول أذياله 

 سمعته يقول:

- وهو يبتسم-: وداعاً

ومضى يسدل كل ستائره على الآفاق

 ثم ّ سمعتُ صوته من بعيد يردد : قم .. قم يا صاحبي  "الله أكبر.. الله أكبر"

وعدْ لبيتك  فقد حل فينا الغروب  ،وحان وقتُ الصلاة  ، وعدـتُ خاشعاً

وأنا أردّدُ  :

"إنّ الله وملائكته يصلون على النبيّ

يا أيّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا  تسليما"                                                                                                 

 

 

 


مشاهدات 60
الكاتب حامد عبدالصمد البصري
أضيف 2026/03/09 - 2:15 PM
آخر تحديث 2026/03/10 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 8190 الكلي 15000259
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير