على شرفات المساء
حامد عبدالصمد البصري
استيقظت من قيلولتي ، نظرت إلى الساعة المشدودة على معصمي
كانت تشير إلى الخامسة عصراً
جلست بسرعة....!
وقلتُ:- الحمد لله لم أبق نائما إلى العيلولة-
هيأتُ نفسي ، لنزهة قصيرة في البستان المجاور لبيتنا
في قرية الحمزة (المحيلة) في أبي الخصيب
مشيتُ بهدوء ، أتأمّل وجوه الفلاحين :(ياسين أبو طه ،عبود أبو صادق ، جليل طه ،منصور) كانت وجوههم ساطعة ،بصفاء التعب ، وبهاء الجد ونقاء المثابرة .
فجأة ..وأنا أنظر إليهم ..وأنقل خطواتي، على أهداب الحشائش
رأيتُ المساء ..يلملم نفسه ، يشرق بين حافة البستان
ثمّ دنا قريباً منّي
- تذكّرْ يا أيّها الذي يلمّ في كلماته الربيع ، أنّي أنا المساء
أرجوك دع ْعلى درب القصائد أقدامي ...!-
ابتسمتُ في وجهه وقلتُ :
- نقّل خطاك كما تشاء... فالطريق طويل
ستنمو بين جنبيك ، بعد قليل ،ألوف النجوم
وسيعانق جيدك ضوء القمر
وفي نهاية الطريق ،ستقابلك بكل موّدة، ضحكة الفجر الفضيّة –
- أأنتَ ترى ذلك ...كأنّ صوتك بلا صدى ..؟
- نعم أنا أرى ذلك
فأنتَ تمتلك الف قدم وتستطيع السير، وتنتصب بقامتك بين الارض والسماء-
اقترب منّي كثيراً ..
رفع رأسه إلى الأعلى ، يتأمّل النخيل الباسقات
فجأة طارت حمامة هنا.. وحطّتْ هناك أخرى..
تلفّتَ يميناً ..يساراً ..ثمّ راح يقترب، من شجرة التفاح
- أرجوك أسمحي لي ..أن أستند عليك قليلاً ، فقد طوّقني التعب-
لم يسمع صوتاً منّها، ولكنّه فسّر :"أنّ السكوت من الرضا"
استند عليها قطف ورقة منها ،وبدأ يتفحصها .. - اه أنّها جميلة ..!-
دار على نفسه ، وكأنّه بفضاء متلبد بالغيوم
تقدّم نحوي قليلاً ،كان يبدو مضطرباً، يخفي سرائر حبّه ويقول :
انا المساء العاقل ، بكل افكاري المتجددة
أرى كيف تتنفّس الأرض ،وعلى قدميها غبار السنوات
وأحاديث الناس، وخطواتهم في كل سبيل..!
ولكنّي مع كل هذا تنتابني هواجس ، سأحدّثك عنها بعد قليل –
سكتَ قليلاً
وقد أومأ لي قائلاً : سأجلس تحت شجرة الياسمين
نظرتُ اليه .. وتلفّتُ بحسرات ، وكادتْ عيوني تطفح بالدموع
وصدري بأوجاع الذكريات
- يا سيدي أيّها المساء الجنوبيّ
أبتعد كثيراً ،عن هذه الشجرة ،فهي لي، ولتلك التي أحبّها من سنين
كما أحبّ قريتي، وقهوة الصباح ،كنّا معا نجلس تحتها سعيدين-
أبتعد عنها قائلاً:
آسف ،أعتذر.. ولكنّي لديّ سؤال لو سمحتَ ...1
– تفضّل بكل سرور..!
قال لي مقطّبا :
- ماذا لو كنت صباحاً ..بدلاً من المساء ..؟
هذا سؤالي أيكون بلا جواب..؟
- أكيد يا سيّدي ستشرب الندى ، وتأكل خبز التنور الساخن
مع الشاي المهيّل، بنعناع أبي الخصيب، فالأرض تدور ...تدور
والأمل يمتدّ ...يمتدّ ، وستسمع يا سيّدي صوت الأمهات ..
صوت الحنين الداعي ، فكل الأبناء يستيقظون صباحاً
للتوجّه للمدارس أليس كذلك ..؟ ،وترى العصافير مغرّدة
كأنها في مهرجان ، مرحبة بضياء الشمس ،والآفاق تحلّق فيها الطيور
بحثاً عن طعام لصغارها وترى العالم كلّه حركة –
تأمّلني قليلاً ..
رجع إلى الوراء ..حدّق في السماء
قال : أحسنتَ يا صديق الطيور الجميلة
لكنّي على شرفاتي فوق غصون الأشجار
تبوح العصافير أسراها الغالية
وعلى عطور أزهاري ، يجتمع العشاق فرحين
يمتلكون أجنحة من خيال وعاطفة تمشي بهم زماناً ..زمانا
ويرسمون قلوبهم ،وهي تبتسم لغد أجمل -
- كلامك صحيح ..أيّها المساء العاقل -
حدّق في وجهي وقال :
– سأحمل في جسدي ، تفاصيل يوم جديد
سأراك غدا يا صاحبي –
نظرتُ إليه، رأيته يلملم فلول أذياله
سمعته يقول:
- وهو يبتسم-: وداعاً
ومضى يسدل كل ستائره على الآفاق
ثم ّ سمعتُ صوته من بعيد يردد : قم .. قم يا صاحبي "الله أكبر.. الله أكبر"
وعدْ لبيتك فقد حل فينا الغروب ،وحان وقتُ الصلاة ، وعدـتُ خاشعاً
وأنا أردّدُ :
"إنّ الله وملائكته يصلون على النبيّ
يا أيّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما"