الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الساعة الخامسة والعشرون.. حين يقف العالم على حافة التاريخ

بواسطة azzaman

الساعة الخامسة والعشرون.. حين يقف العالم على حافة التاريخ

موفق البياتي

 

العالم اليوم لايقترب من الحرب، بل يقترب من اللحظة التي تصبح فيها الحرب امرا عاديا، امرا نعيشه كل يوم في مالوف حياتنا. فلقد دخلنا مرحلة لم يعد الخبر فيها خبرا، بل جرس انذار، فكل نشرة اخبار غدت اشبه بتقرير اولي عن زلزال لم يقع بعد، وكل تصريح سياسي يبدو وكانه محاولة يائسة لتاجيل ما يعرف الجميع انه قادم.

انها اللحظة التي لايمكن وصفها وبلا تردد بانها الساعة الخامسة والعشرون من هذا العصر، ساعة لاتظهر فيها الاوقات، لكنها تظهر في وجوه القادة المتجهمة، وفي الخرائط التي تعاد قراءتها بقلق، وفي الحروب الصغيرة التي تتكاثر كانها بروفات لكارثة اكبر.

التاريخ لايكرر نفسه لكنه يترك دائما الاشارات ذاتها قبل الانفجار. تصعيد متبادل، سباق مسلح، تحالفات متوترة وخطابات سياسية تمتلئ بكلمات لم يكن احد يجرؤ على قولها قبل اشهر معدودات. فالعالم لا يعيش يوما عاديا من ايامه، انه يقف في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، حيث تتكاثر الاشارات المقلقة، وتتحرك الجيوش يبطء، وتختبر الاعصاب على حدود النار، والاخطر من ذلك كله ان العالم وكما يبدو لا يسير نحو هذه اللحظة وهو نائم بل يسير اليها وهو يعرف تماما الى اين يقوده الطريق.

حقا ان كل اللحظات لاتكون متشابهة في عمر التاريخ، فهناك ازمنة تمر مثل كل عابر لا تترك ورائها سوى اثار خفيفة في ذاكرة الامم، وهناك لحظات اخرى ثقيلة الوطأة تشبه بالتحديد وقوف البشرية عند حافة زمن جديد، وفي مثل هذه اللحظات يشعر العالم بان عقارب الساعة لم تعد كافية لقياس ما يجري، وان الزمن نفسه يتعثر امام سرعة الاحداث، عندها يولد التعبير الذي يلخص كل هذا القلق: «الساعة الخامسة والعشرون» تلك اللحظة الرمزية، التي تاتي بعد اكتمال الوقت، حيث يبدو ان التاريخ قد تجاوز حدوده المعتادة، وبدأ يكتب فصلا غير متوقع.

عصر جديد

انها لحظة يتاخر فيها العقل قليلا عن الاحداث ، وتتقدم فيها الوقائع على التوقعات، فجأة يشعر البشر ان النظام الذي اعتادوا عليه لم يعد ثابتا كما ظنوا، وان الخرائط التي رسمت موازين العالم لم تعد مطمئنة كما كانت، وفي مثل هذه اللحظات لايكون السؤال عن حدث بعينه، بل عن معنى المرحلة كلها، هل نحن امام بداية عصر جديد، ام امام تكرار ماساوي لفصول قديمة عرفها التاريخ من قبل؟

لقد اعتاد الانسان الظن بان العالم يسير وفق ايقاع يصعب التنبؤ به، لكن التجربة التاريخية تخبرنا بشيء اخر تماما، فالتاريخ حين يتحرك في لحظاته الكبرى لايسير بخطوات هادئة، بل انه يقفز فجأة ويغير مساره بطريقة تجعل ما كان يبدو ثابتا بالامس مجرد ذكرى تائهة في هذا اليوم، وهكذا تتحول القرارات الصغيرة الى مفاصل كبرى، وتصبح الاحداث التي بدت عابرة في بدايتها علامات فاصلة في مصير الامم.

وحين نقول ان العالم يقف على حافة التاريخ، فنحن لا نصف مجرد تقرير سياسي او ازمة عابرة ، نحن نتحدث عن حالة اعمق بكثير، حالة يشعر فيها البشر بان التوازنات التي حكمت عالمهم تفقد صلابتها، وان العلاقات التي بدت مستقرة لعقود طويلة لم تعد قادرة على الصمود امام التحولات المتسارعة و في مثل هذه اللحظة يصبح العالم اشبه بسفينة ضخمة تغيرً اتجاهها في بحر تصطفق فيه الامواج اصطفاقا مضطربا، بينما يقف ركابها متسائلين عن الوجهة التي ستقودهم اليها الريح.

ان الخطر الحقيقي في مثل هذه اللحظات لايكمن في التغيير نفسه، فالتغيير جزء من طبيعة التاريخ، بل انه يكمن في الطريقة التي يدار بها ذلك التغيير، ففي مثل هذه اللحظات تغيب الحكمة، و تنقلب التحولات الطبيعية الى صدمات كبرى، وحين تختزل السياسة في صراع الارادات يصبح العالم اكثر هشاشة مما يبدو، وتصبح الاخطاء الصغيرة قادرة على اشعال ازمات كبرى.

ان البشرية لم تصل الى ماهي عليه اليوم عبر طريق مستقيم، بل عبر مسار طويل من التجارب والاختبارات، وكل جيل يظن بطريقة و بأخرى انه يقف امام لحظة مصيرية، غير ان بعض اللحظات كانت بالفعل كذلك، لحظات يشعر فيها الناس بان المستقبل لايشبه الماضي، وان العالم الذي يعرفونه يوشك ان يتغير جذريا.

سياسة عالمية

اليوم يتردد هذا الاحساس مرة اخرى في اروقة السياسة العالمية وفي وعي الشعوب على حد سواء، فالعالم الذي بدا مستقرا في اعقاب تحولات كبرى شهدها القرن الماضي لم يعد كذلك، لان التوازنات الدولية تتبدل، ومراكز القوة تتغير، واليقين الذي كان يحيط بمفهوم النظام العالمي بدا يتلاشى شيئا فشيئا، وفي خضم هذا المشهد المعقد يبدو ان البشرية تعيش مرحلة انتقالية يصعب فهم ملامحها الكاملة بوضوح.

ان التاريخ لا يمنح البشر ترف التردد طويلا، ففي اللحظات التي يبلغ فيها الزمن ذروته، لايبقى امام الامم سوى خيارين: اما ان تواجه التحول بعقلانية وبصيرة، او ان تنجرف وراء الصراعات التي تجعل من التغيير بداية لمرحلة اكثر اضطرابا.وحين تصل الامم الى الساعة الخامسة والعشرين، يصبح الزمن نفسه جزءآ من الازمة، في تلك اللحظة لاتعود المشكلة في صراع هنا او مواجهة هناك، بل ان العالم كله يصبح مشدودا الى حافة واحدة، حافة قد يسقط فيها النظام الدولي برمته في فوضى لا تشبه ما تعارفنا عليه في القرن الماضي.

والمفارقة المؤلمة ان التاريخ ملئ بالتحذيرات التي لم يسمعها احد الا بعد فوات الاوان، فكم من كارثة بدأت كخبر صغير في نشرة المساء، ثم تحولت بعد اشهر الى مأساة تكتبها كتب التاريخ.ولهذا فأن السؤال الحقيقي هنا ليس؛ هل يمكن للعالم ان يتجنب الانفجار؟ بل السؤال الاخطر هو: هل يدرك العالم انه يقف الان في الساعة الخامسة والعشرين، ام انه لن يكتشف ذلك الا بعد ان تبدأ العقارب بالاحتراق؟

*الساعة الخامسة والعشرون- رواية للكاتب الروماني قسطنطين فيرجيل جيورجيو

1949. ويقصد بها رمزيا اللحظة التي يفقد فيها الانسان قدرته على تغيير مصيره

في ظل نظام شمولي يحتقر الانسان.

 


مشاهدات 81
الكاتب موفق البياتي
أضيف 2026/03/07 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 6449 الكلي 14960518
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير