بين حماية المقدسات وضمان حرية التعبير
نوري جاسم
تُعدّ المجتمعات المتعددة دينيًا ومذهبيًا أكثر حاجةً إلى منظومة قانونية رصينة تحفظ توازنها الداخلي، وتمنع انزلاقها نحو التوتر أو الصراع. وفي هذا السياق، تبرز المادة (372) من قانون العقوبات العراقي بوصفها أحد النصوص التي وُضعت لحماية المشاعر الدينية وصون حرمة المقدسات، في محاولة لضبط الخطاب العام والحفاظ على السلم المجتمعي. وتنص هذه المادة على تجريم جملة من الأفعال المرتبطة بالإساءة إلى الأديان، من بينها الاعتداء العلني على معتقدات الطوائف، والتشويش على شعائرها، وتدنيس أماكنها المقدسة، فضلًا عن إهانة رموزها أو السخرية من طقوسها. وبذلك، يتضح أن المشرّع العراقي لم يكتفِ بحماية الجانب المادي للدين، كأماكن العبادة، بل امتد ليشمل الجانب المعنوي المرتبط بالكرامة الدينية والرمزية. ومن حيث المبدأ، لا خلاف على مشروعية هذا التوجه؛ فالدين في المجتمعات الشرقية، والعراق خصوصًا، ليس مجرد ممارسة فردية، بل هو مكوّن أساسي من مكونات الهوية الاجتماعية والثقافية. ومن هنا، فإن أي اعتداء على المقدسات قد يتحول سريعًا إلى شرارة فتنة تهدد الأمن والاستقرار.
إشكاليات قانونية
وعليه، فإن وجود نص قانوني يردع مثل هذه الأفعال يُعد ضرورة لا غنى عنها. غير أن قراءة متأنية للمادة (372) تكشف عن إشكاليات قانونية تستحق الوقوف عندها. إذ إن بعض الألفاظ المستخدمة في النص، مثل “الإهانة” و“الاستخفاف” و“التحقير”، تفتقر إلى تعريف دقيق، ما يجعلها قابلة لتفسيرات متعددة قد تختلف من قاضٍ إلى آخر، ومن سياق إلى آخر. وهذا الاتساع في الدلالة قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تقييد غير مقصود لحرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنقد الفكري أو البحث العلمي في المسائل الدينية. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن التوفيق بين حماية المقدسات من جهة، وضمان حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى؟ فالمجتمعات الحيّة لا تتطور إلا عبر الحوار والنقاش، ولا يمكن تجميد الفكر أو تحصينه ضد النقد. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن السماح بتحويل حرية التعبير إلى أداة للإساءة أو الاستفزاز أو إثارة الكراهية. إن الحل لا يكمن في إلغاء النص، ولا في إطلاقه بلا ضوابط، بل في تحقيق توازن دقيق بين الطرفين. ويتحقق هذا التوازن من خلال تفسير قضائي واعٍ يميّز بوضوح بين النقد الموضوعي القائم على الحجة والدليل، وبين الإساءة المتعمدة التي تستهدف الإهانة أو التحريض.
قانون مجتمعي
كما يمكن للمشرّع، في إطار المراجعة الدورية للقوانين، أن يتجه نحو صياغة أكثر دقة للمفاهيم الواردة في النص، بما يقلل من مساحة التأويل ويعزز اليقين القانوني. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الثقافة القانونية المجتمعية، فالقانون وحده لا يكفي لضبط السلوك ما لم يرافقه وعي عام بأهمية احترام الآخر، والالتزام بأخلاقيات الحوار. فالكلمة، في زمن الانفتاح الرقمي، باتت سلاحًا ذا حدين: يمكن أن تبني جسور التفاهم، كما يمكن أن تهدمها في لحظة انفعال. إن المادة (372) تمثل، في جوهرها، محاولة لحماية التعايش السلمي في مجتمع متنوع، لكنها تظل بحاجة إلى تطبيق رشيد وتطوير مستمر يواكب تحولات الواقع. فالمعادلة ليست سهلة، لكنها ممكنة: حماية المقدسات دون مصادرة الفكر، وصيانة الحرية دون الانزلاق إلى الفوضى. وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على الإنسان نفسه؛ على وعيه، وأخلاقه، وقدرته على استخدام حريته بمسؤولية. فبقدر ما نحترم معتقدات الآخرين، نؤسس لمجتمع أكثر استقرارًا، وأكثر إنسانية. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .