العرب في أوزبكستان.. جذور ضاربة في التاريخ وهوية تصارع النسيان
أحمد جاسم ألزبيدي
لا تزال أوزبكستان قادرة على إدهاشي، مهما طالت سنوات الإقامة فيها. فعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود عشتُ وعملتُ في هذا البلد، تنقّلتُ بين الترجمة والإعلام المرئي والمسموع والصحافة المكتوبة، لكنني في كل مرة أظن أنني اقتربت من فهمه، يفتح لي بابًا جديدًا على تاريخ غير متوقَّع. فأوزبكستان ليست مجرد دولة في قلب آسيا الوسطى، بل فضاء حضاري كثيف الطبقات، صاغته القوافل التجارية، وحركات العلم والدعوة، والهجرات، وتقاطعات الإمبراطوريات.
خلال سنوات عملي، كثيرًا ما كنت أسمع—على استحياء—عن وجود عرب استقروا في هذه البلاد منذ قرون. كانت الإشارات عابرة، أقرب إلى روايات شفوية منها إلى حقائق موثقة. من هم هؤلاء العرب؟ متى جاؤوا؟ وكيف حافظوا على هويتهم، أو كيف ذابت ملامحها مع الزمن؟ أسئلة تحوّلت من فضول مهني إلى هاجس صحفي وبحثي.مع بدايات استقلال أوزبكستان في مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدأ هذا الملف يخرج من الظل. ففي إقليم قشقداريا، جنوب البلاد، سُجّل أول مركز ثقافي عربي رسمي، في خطوة عكست توجّه الدولة الجديدة نحو الاعتراف بتعدديتها القومية والثقافية. كانت تلك اللحظة بمثابة إشارة خضراء للبحث الميداني.
وجود عربي
في الطريق إلى قشقداريا، مررتُ بسمرقند، حيث أكدت لي أحاديث السكان أن الوجود العربي ليس حالة معزولة. فالعرب حاضرون أيضًا في سمرقند وبخارى، المدينتين حيث كانتا عبر قرون منارة للعلوم الإسلامية وملتقى للفقهاء والتجّار. بدا واضحًا أن الحديث لا يدور عن قرية واحدة، بل عن امتداد تاريخي أعمق.
وجهتي الأساسية كانت قرية جِيناوّ في منطقة يوسفوف. هناك، لم تكن زيارتي مجرد لقاء صحفي، بل حدثًا رمزيًا. فالسكان لم يستقبلوا شخصًا بعينه، بل «عربيًا قادمًا من الخارج»، وكأن في ذلك استعادةً لخيط لم ينقطع تمامًا، رغم قرون الغياب.
حتى اسم القرية يثير التأمل، إذ يربطه أهلها بعبارة «جئنا» العربية. أما أصول السكان، فتظل موضع جدل. الرواية الشائعة تشير إلى جذور سورية، لكن تفاصيل الحياة اليومية ترسم صورة مختلفة: اللهجة أقرب إلى العربية العراقية، مليئة بمفردات لا تزال حيّة في جنوب العراق ووسطه—«گبل»، «عگِب»، «خَلَگْ». وحتى المطبخ يحكي تاريخه؛ فطبق «الكَلّة پاچة» حاضر في المناسبات، ويُقدَّم باعتزاز بوصفه جزءًا من الذاكرة، كما حدث معي في بيت رئيس المركز الثقافي، مراد الله سعيدوف.
العادات الاجتماعية تزيد المشهد وضوحًا. ففي الأعراس، يُقدَّم «الخُرج» للعريس، رمزًا لثقافة الترحال. أما الأزياء النسائية، فهي سجل بصري لذاكرة بعيدة: حُليّ تقليدية كالوردة والعران والخِزامة، معروفة في الثقافة البدوية العربية. وفي المقابل، تكشف كثافة المفردات الفارسية في اللغة المتداولة عن قرون من التداخل الثقافي، ما يعزّز فرضية الجذور العراقية، حيث تمازجت العربية والفارسية طويلًا.
الدين ظلّ أحد أعمدة الحفاظ على الهوية. فللعرب هنا مسجدهم الخاص، ويؤمّهم الإمام غالب عبد الرحمن، الذي يرى أن مرحلة ما بعد الاستقلال أعادت الاعتبار للمؤسسات الدينية، وفتحت الباب أمام التعليم الديني المنظّم. لكن القلق حاضر، فالعربية اليوم تُدرَّس كلغة أجنبية، في ظل نقص شديد في المعلمين المتخصصين. ويختصر الإمام هذه المعضلة بنداء مؤلم:
«ألا يوجد في العالم العربي من يرسل متطوعين لتعليم أبنائنا؟ فنحن أيضًا عرب !»
طريق التجارة
يُقدَّر عدد العرب في جِيناوّ ومحيطها بأكثر من ثمانية عشر ألف نسمة. وتقول الروايات إن أجدادهم كانوا من أصحاب الحِرَف أو من القوافل التي استقرّت على طرق التجارة القديمة. أما اليوم، فهم جزء فاعل من الاقتصاد المحلي: مزارعون، مربّو ماشية، وأصحاب أعمال صغيرة، يتقاسمون هموم الحياة اليومية مع بقية القوميات .
لا يعيش العرب في أوزبكستان على هامش المجتمع، بل في قلبه، كمكوّن أصيل من فسيفساء وطن متعدد القوميات، وطن تعايشت فيه اللغات والثقافات والأديان عبر قرون. غير أن قصتهم تظل بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق، حتى لا تتحوّل هذه الذاكرة الحيّة إلى مجرد أثر باهت في كتب التاريخ..