الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رواية عبد الباقي يوسف.. بين الوجود والعدم.. حكاية فتى صار ظلا


رواية عبد الباقي يوسف.. بين الوجود والعدم.. حكاية فتى صار ظلا

دمشق - الزمان

في صبحةٍ خريفيةٍ هادئة، استيقظ «كنان» ليجد نفسه قد فقد أثمن ما يملكه الإنسان «حضوره». لم يكن الأمر مجرد حلمٍ عابر أو كابوسٍ ثقيل، بل حقيقةً صارخة واجهته أمام المرآة التي لم تعد تعكس سوى الفراغ.

كنان، الفتى الذي كان يملأ البيت ضجيجاً وحياة، صار فجأة «لامرئياً»، تراه القلوب ولا تبصره العيون، وتسمعه الجدران بينما يعجز أقرب الناس إليه عن لمس طيفه.

تبدأ الرحلة من غرفته الضيقة لتتسع وتصبح مغامرةً كبرى في أزقة المدينة المزدحمة، حيث يكتشف كنان أن «الاختفاء» ليس لعنةً بالضرورة، بل قد يكون نافذةً لرؤية العالم على حقيقته دون تجميل. من خلف ستار «اللامرئية»، يراقب كنان صراعات البشر، دموع أمه المنهمرة شوقاً إليه، وحيرة والده الذي يفتش عنه في كل زاوية، بينما هو يقف بجانبهما، يلمس أوجاعهما ولا يستطيع أن يهمس لهما بكلمة واحدة.

بأسلوبٍ أدبي يمزج بين الواقعية السحرية والعمق الإنساني، يأخذنا الكاتب «عبد الباقي يوسف» في رحلةٍ فلسفية مشوقة تسألنا ماذا لو صرت لامرئياً؟ هل ستنتقم من العالم، أم ستصلح ما أفسده الآخرون؟ بين ملاحقة الفاسدين ومساعدة المحتاجين في الخفاء، يحاول كنان استعادة جسده المفقود، ليكتشف في النهاية أن الوجود الحقيقي لا يكمن في الصورة التي يراها الناس، بل في الأثر الذي نتركه وراءنا حين لا يرانا أحد. رواية «الفتى اللامرئي» هي دعوة لاستكشاف ذواتنا، ومواجهة مخاوفنا، وإدراك قيمة «أن نكون» قبل أن يبتلعنا النسيان.

من أجواء الرواية:

كانت الساعة المُعلَّقة على الحائط تُشير إلى السابعة والنصف صباحاً، عندما تناهى صريرٌ خافتٌ بإيقاعٍ رفيعٍ ممطوط من باب غرفتي، وانفرَجَ بتُؤدَةٍ لتلج على إثره أمّي كعادتها كل صباحٍ حتى توقظني لأذهبَ إلى المدرسة.

أحياناً في مثل هذا الوقت عندما تراني أمّي يقظاً على السرير، تقول وهي تمدّ رأسها إلى الداخل: هيا يا كِنان، حان وقت مدرستك. وما تلبِث أن تعود تاركةً الباب مفتوحاً. وعندما تراني نائِماً، تدنو إليّ، تنقر كتفي نقرات عدّة بأصابعها، ويتناهى صوتُها إلى أذني: كِنان.. كِنان.. انهض يا بُني حتى لا تتأخَّر عن مدرستك.

مشت بخطوات بطيئة، تسمَّرَتْ بِها قدماها في منتصف الغُرفة وأنا مستلقٍ على سريري أنظر إليها، رمَقتْ السرير، ظننتها تُمازحني، لأنّها بدل أن تقول: هيا يا كِنان، حان وقت مدرستك. قالت: أينَ هو؟ّ

حدَّقتُ فيها بذهولٍ، تسرَّب إليّ شيءٌ من الوَجَل وهي ما تزال ترمق السرير بعينَين قَلِقتَين فاغرةً فاها.

بعد لحظاتٍ، ضَرَبَتْ بكفها على صدرها واستدارَت على عَجَلٍ يسبقها صوتُها المفزوع منتشراً في أرجاء البيت: كِنان.. كِنان.. 

ترامَى صوت أبي على الفور: ما بكِ، يا ضُحى، ما بكِ؟

قالَت: كِنان ليس في غُرفته، يا وسيم!

اتسعت مساحةُ الوَجَل في داخلي، قرصتُ ساقي، مسحتُ على وجهي بباطن كفّي، حدَّقتُ في جسدي، لم أر شيئاً من أعضائي! كدتُ أنفجر بصرخةٍ، وقبل أن تنطلق منّي الصرخة، تعالَت نبرات صوت أبي: ليس في الحمّام أيضاً.

قالت أمّي: ولا في المرحاض.

دلَفَ أبي من الباب الذي تَرَكَته أمّي مفتوحاً على مصراعَيه، عندما رأيته، تسرَّبت نسمة طمأنينةٍ إلى قلبي، أبي الذي أشعر بأنّه جبلٌ أستند بطمأنينةٍ لا متناهيةٍ إليه، يحميني من أعتى المخاطر التي يمكن أن أتعرَّض لها، يبذل كل ما بوسعه لتأمين احتياجاتي، يضمّني إلى صدره، يُداعب شعري، يُقبّلني، أحياناً ينتابني شعورٌ بأنّني أبي الصغير، أو أنّني نسخةٌ مُصغّرةٌ عَنه.

أجال بنظراتِه القلقة في أرجاء الغُرفة وأنفاسه تتسارَع، تطفح على قسمات وجهه سمات الفزع: أين ذهب الولَد؟ قالها بنبرةٍ خافِتةٍ مكلّماً نفسه، ثم استدار خارِجاً مِن الغرفة على عَجَل، واجهه صوتُ أمّي: حذاؤه في البيت، لم يتحرَّك من مكانه

استبدَّ بي الهَلَع أكثر فأكثر، جمدتُ في السرير، خامرني ريبٌ بأنّني تحوّلتُ إلى عدم، تشبَّثتُ بطرَفَي ملاءة السرير بكلتا يدَي وكل عضوٍ فيَّ يرتعد. صوَّبتُ نظرةً إلى عقارب الساعة المُعلَّقة قِبالتي على الحائِط، كانت تشير إلى الثامنة والنصف.

الفتى اللامرئي رواية للناشئة، صدرت عن دار اسكرايب للنشر في القاهرة 2025


مشاهدات 101
أضيف 2026/03/14 - 1:09 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 11:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 891 الشهر 12232 الكلي 15004301
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير