الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العصا بين الماضي والحاضر

بواسطة azzaman

العصا بين الماضي والحاضر

عبد الستار الراشدي

 

لطالما كانت العصا رمزاً حاضراً في الذاكرة التربوية القديمة، إذ ارتبطت بصورة المعلم وهيبته، وبقدرة المدرسة على إخراج أجيال متفوقة في القراءة والكتابة والحساب. في زمن مضى، كان التلميذ يهاب المعلم كما يهاب أباه، ويعتبره قدوة وموجهاً، لا مجرد موظف يؤدي واجباً. العصا لم تكن مجرد أداة للضرب، بل كانت رمزاً للانضباط والجدية، ووسيلة لإشعار الطالب بأن العلم يحتاج إلى جهد وصبر وخوف من التقصير.

لقد خرجت من تحت ظل تلك العصا أجيال من الأطباء والمهندسين والطيارين والمعلمين، ممن تعلموا أن الطريق إلى النجاح لا يكون إلا بالجد والاجتهاد. كان الطالب في الصف الثاني الابتدائي يقرأ الجريدة بطلاقة، ويحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب، ويكتب الإملاء بلا خطأ، لأن العصا كانت تذكيراً دائماً بأن التهاون غير مقبول. بل إن مجرد رؤية المعلم في الشارع كانت كافية لأن يفر التلاميذ إلى بيوتهم احتراماً وخشية، وهو مشهد يعكس مكانة المعلم في المجتمع آنذاك.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل العصا ما زالت وسيلة صالحة للتربية؟ أم أنها مجرد ذكرى من زمن مضى؟ الواقع أن التربية الحديثة تنظر إلى العصا بعين النقد، إذ ترى أن الضرب قد يترك آثاراً نفسية سلبية على الطفل، ويزرع الخوف بدلاً من الحب، ويجعل العلاقة بين الطالب والمعلم قائمة على الرهبة لا على الاحترام المتبادل. ومع ذلك، فإن الدعوة إلى “إعادة العصا للمعلم” قد لا تكون دعوة حرفية بقدر ما هي دعوة رمزية لإعادة الهيبة للمعلم، وإعادة الاعتبار لدوره التربوي والأخلاقي في المجتمع.

المعلم ليس عدواً للطالب، بل هو أب ومربٍ، ومهمته أن يغرس القيم قبل أن يلقن المعلومات. لذلك فإن على الأسرة أن تدعم سلطة المعلم، وألا تتحول إلى محامٍ يدافع عن أخطاء أبنائه ضد المعلم. فالمعلم حين يوبخ أو يعاقب، إنما يفعل ذلك حرصاً على مصلحة الطالب، لا رغبة في إيذائه. إن احترام المعلم هو جزء من احترام العلم نفسه، وإذا فقد المجتمع هذه القيمة، فقد جزءاً من أخلاقه وانضباطه.

إن التربية الحديثة يمكن أن تحقق ما كانت العصا تحققه، ولكن بوسائل أخرى أكثر إنسانية وفاعلية، مثل: تعزيز مكانة المعلم اجتماعياً ومادياً، إشراك الأسرة في دعم سلطة المدرسة، غرس قيم الاحترام والانضباط عبر الحوار والقدوة، وتطوير المناهج لتكون محفزة على التفكير والإبداع.

فالمخافة التي كانت العصا تزرعها يمكن أن تستبدل اليوم بالمسؤولية والوعي، بحيث يدرك الطالب أن العلم هو طريقه إلى المستقبل، وأن المعلم هو شريكه في هذه الرحلة.

في النهاية، العصا كانت جزءاً من تاريخنا التربوي، ولا يمكن إنكار دورها في صناعة أجيال ناجحة. لكنها اليوم يجب أن تُقرأ كرمز للصرامة والانضباط، لا كأداة للعقاب الجسدي.

المطلوب أن نستعيد هيبة المعلم، ونرسخ قيم الاحترام، ونوازن بين الماضي والحاضر، حتى يبقى العلم والأدب هما الهدف الأسمى، وتبقى المدرسة مصنعاً للأخلاق قبل أن تكون مصنعاً للشهادات.

 


مشاهدات 36
الكاتب عبد الستار الراشدي
أضيف 2026/03/11 - 1:52 PM
آخر تحديث 2026/03/12 - 2:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 9981 الكلي 15002050
الوقت الآن
الخميس 2026/3/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير