فاتح عبد السلام
القتال الطائفي، بل السلوك الطائفي هو أسهل طريق لخلط الأوراق وتضييع الحق المدني للمواطن وبسط النفوذ الخارجي على أي بلد، وكان العراق نموذجا صارخا قبل سنوات عدة في اعقاب احتلاله من الجيش الأمريكي وصعود روح الانتقام المتغذية من الخارج، في حين يصيب اليوم سوريا بعض هذا الوباء الكارثي الذي زرع بذوره طوال أربعة عشر عاما وقبلها بأربعة عقود، نظام الأسد الاب والابن.
السوريون من جميع الطوائف كانوا يتعايشون مع الاغلبية العربية السُّنية قبل قيام نظام سوريا السابق بتسخير الأقلية العلوية كغطاء من الولاء في تحقيق بسط القبضة الأمنية والمخابراتية على عموم السوريين، بما فيهم العلويين أنفسهم لكي يبقوا منساقين وراء ما زرعه فيهم من مخاوف، يمكن أن تصيب اية أقلية.
المسلحون من بقايا الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والمخابرات بأنواعها، انسحبوا من دمشق في الثامن من كانون الأول الماضي الى القرى العلوية في الجبال حيث ينحدرون، في دلالة عميقة على ان بنية الجيش والأمن في النظام السابق كانت طائفية خالصة عن قصد.
وهؤلاء” الفلول” من خلال عوامل اجتماعية وجغرافية وسياسية دولية وعبر التناغم مع المنحى الإسرائيلي الجديد، لن يستسلموا ويقروا بسقوط نظامهم السياسي الأمني وسيجدون في البديل الانقسامي الطائفي طريق النجاة من المحاسبة على جرائم عمرها عقود متصلة، وليس أربعة عشر عاما فقط.
الخيارات واضحة، امام الأقليات في سوريا ، والتي لها مرجعيات دينية تؤثر فيها، يتصدرها الخيار الانفصالي المرّوج والذي ترغب به دول عدة ليست إسرائيل وحدها، هو خيار غير قابل للتحقيق ومرفوض دولياً لأنه سيكون سابقة خطيرة في المشرق العربي ستقود لتقسيم العراق والأردن وايران وتركيا، فالتقسيم سيصبح عندها مثل كرة الثلج ولن يتوقف عن المعيار المذهبي والقومي ،وقد ينزل الى مستويات داخلية عدة في المجتمعات اكثر تفصيلاً.
والخيار الثاني هو تحول الطوائف الى لعبة استخبارية بأيدي دول ذات اهداف ومصالح في الاقليم، في اطار من القلاقل المستمرة والفوضى والتشجيع على تكوين مقاطعات سياسية وأمنية تحت لواء بلد موحد شكليا فقط.
أمّا الخيار الثالث فهو الاندماج الحقيقي في بناء سوريا الجديدة، والتوافق على دستور وطني ينبذ الطائفية ويجرمها، وعدم ترك هذه الثغرة سائبة كما حدث في دستور العراق. لكن هذا الخيار يواجه تحديات بسبب التركة الثقيلة من جرائم الماضي القريب وتبعات الحاضر المُدمى والمخرب، وهنا يكون تجلي جوهر العمل الوطني لمن يريد إعادة بناء سوريا، وليس تفكيكها.