الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مستشفى شار في السليمانية.. سباق مع الوقت لإنقاذ مرضى الجلطة الدماغية

← بواسطة azzaman

مستشفى شار في السليمانية.. سباق مع الوقت لإنقاذ مرضى الجلطة الدماغية

باسل الخطيب

 

لم تكن بداية رحلة (س. ع) من الناصرية إلى السليمانية للاستجمام مثل ما انتهت إليه. فبعد تناول وجبة عشاء دسمة، باغته صداع شديد وتنمل في الذراع وفقدان للتوازن، قبل أن ينهار ويفقد الوعي تماماً.

أسرع أفراد عائلته بنقله إلى مستشفى شار (المدينة) التعليمي في السليمانية، حيث شخص الأطباء إصابته بجلطة دماغية، وأحالوه إلى الوحدة المتخصصة في علاج هذه الحالة. وبعد تلقي الرعاية الطبية اللازمة، تحسنت حالته وغادر المستشفى بعد أيام قليلة.

إن حالة (س. ع) تكشف أهمية الوصول السريع إلى المستشفى عند الاشتباه بالإصابة بالسكتة الدماغية، وهي حالة طبية طارئة قد تتسبب في الوفاة أو الإعاقة الدائمة إذا تأخر تشخيصها وعلاجها.

وبهذا الشأن يقول د. زانا عبد الرحمن محمد، رئيس قسم الأعصاب والأوعية الدموية في مستشفى «شار» التعليمي في السليمانية، إن الوقت يشكل «عاملاً حاسماً بالنسبة للمصابين بالجلطة الدماغية»، مشيراً إلى أن المصابين «يحظون بفرصة كبيرة للنجاة إذا ما تم إيصالهم إلى المستشفى في غضون أقل من أربع ساعات من شعورهم بالإصابة».

أعراض مفاجئة

والجلطة (السكتة) الدماغية هي حالة طارئة تحدث عندما يتوقف تدفق الدم المحمل بالأكسجين والغذاء إلى جزء معين من الدماغ أو ينخفض بشكل حاد، مما يؤدي إلى حرمان خلايا الدماغ من الأوكسجين والمغذيات في غضون دقائق، وبالتالي تبدأ هذه الخلايا بالموت.

وتعتبر الجلطة الدماغية من أبرز مسببات الوفاة والعجز الدائم عالمياً، وتتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً لتقليل الضرر الدماغي.

وتحدث الجلطات الدماغية لأسباب عديدة، منها ما هو قابل للسيطرة، كارتفاع ضغط الدم، التدخين، السكري، ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم، السمنة، قلة النشاط البدني وأمراض القلب. فضلاً عن عوامل أخرى غير قابلة للسيطرة، كتقدم العمر والتاريخ العائلي للإصابة.

وتشمل أعراضها المحتملة الضعف أو الخدر المفاجئ في الوجه أو الذراع أو الساق، واضطراب الكلام أو الرؤية، وفقدان التوازن، والصداع الشديد المفاجئ. ويستدعي ظهور هذه العلامات طلب الإسعاف فوراً، حتى لو اختفت الأعراض بعد مدة وجيزة.

ويعتمد العلاج على نوع الجلطة الدماغية وحالة المريض. ففي بعض حالاتها الناتجة عن انسداد الأوعية الدموية، يمكن استخدام أدوية إذابة التخثرات أو ربما اللجوء إلى استئصالها بالقسطرة. وتختلف مدة كل علاج، لذلك فإن الإجراء الأهم عند ظهور الأعراض هو نقل المصاب إلى المستشفى دون تأخير.

تحقيق الحلم

خلف الوحدة المتخصصة في مستشفى شار رحلة استمرت ثمانية أعوام، قادها الدكتور زانا عبد الرحمن محمد، بهدف توفير رعاية مناسبة للمصابين بالجلطات الدماغية. تخرج زانا من كلية الطب بجامعة السليمانية، وحل في المرتبة الأولى على دفعته في البورد العراقي، ويعمل أستاذاً مساعداً في طب الأعصاب السريري بكلية الطب في الجامعة، كما يتولى مسؤولية التدريب في طب الأعصاب ضمن البورد الكردستاني. ونشر أكثر من 15 بحثاً في مجالات طبية عالمية أو محلية.

ويفخر الدكتور زانا كثيراً بالإنجاز الذي حققه والمتمثل بتحقيق حلم طال انتظاره بافتتاح وحدة متخصصة لمعالجة الجلطة الدماغية (الطارئة والوعائية) مجاناً في مستشفى شار التعليمي في السليمانية، خلال كانون الثاني/ يناير 2023، ليكون الأول من نوعه لا في إقليم كردستان فحسب، بل وفي العراق أيضاً.

وقد واجهت الرحلة العديد من العقبات والتحديات التي حالت دون تقديم العلاج على وفق المعايير الدولية. ففي ذلك الوقت كان كثير من مرضى الجلطة الدماغية في المستشفيات الكردستانية كما العراقية، يشخصون ثم يخرجون بعد تلقي رعاية تمريضية أساسية بسيطة وأدوية مثل الأسبرين، دون الاستفادة من الإمكانات العلاجية المتقدمة المتاحة عالمياً.

كان الدكتور زانا يدرك حجم المعاناة التي تنتظر أولئك المرضى وأسرهم، بما في ذلك الأعباء المالية والحاجة إلى أشهر من إعادة التأهيل.

وكان يرى أن التطور العالمي في علاج الجلطة الدماغية يمكن أن يتيح نتائج أفضل للمرضى. ومن خلال شعوره بالمسؤولية وتعاطفه العميق مع مرضاه، وبدعم من فريق من الأطباء الشباب الشجعان، تمكن من تحويل هذا الحلم إلى واقع، تمثل في إنشاء وحدة متخصصة لعلاج الجلطة الدماغية مجاناً، تقدم رعاية على وفق المعايير العالمية للمرضى.

 لا في المدينة والمناطق المحيطة بها فحسب، بل ولمناطق أخرى من إقليم كردستان والمحافظات العراقية الأخرى من دون تمييز.  

•جوائز دولية

وحظي المركز بدعم منظمة الملائكة العالميةAngels Initiative  لعلاج الجلطة الدماغية، وهي مبادرة دولية تهدف إلى زيادة عدد المستشفيات والمراكز المتخصصة بعلاج الجلطة الدماغية، وتحسين جودة الرعاية الطبية، ومنع الوفيات والإعاقات الناتجة عنها عبر جوائز «الملائكة» وتدريبات الملاكات الطبية. وقدمت المنظمة الدعم المادي والعلمي للمركز الوليد، وقامت بمتابعة عمله وتقويمه كل ثلاثة أشهر للتأكد من تلبيته للمعايير العالمية.

وقد حصد مركز الجلطة الدماغية في مستشفى شار على أربع جوائز من منظمة الملائكة، بدأت بجائزتين ذهبيتين عام 2024، تلتها البلاتينية عام 2025، ليتوج جهوده مؤخراً بالحصول على الجائزة الماسية وهي الأعلى التي تمنحها المنظمة.

كما حصل المركز على إشادة من جهة أخرى هي المنظمة العالمية للسكتة الدماغية (المعروفة بـ WSO - World Stroke Organization) )، وهي جمعية طبية دولية غير ربحية مقرها الرئيس في جنيف بسويسرا، تهتم بكل ما يتعلق بالجلطات الدماغية من دراسات وبحوث، وتمنح شهادات للمراكز العالمية المتخصصة بالجلطات الدماغية وفقاً للمعايير العالمية، وتنظم مؤتمرات سنوية كان آخرها في 23 تشرين أول/ أكتوبر 2026 في العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول.

وقد منحت المنظمة شهاداتها لـ90 مركزاً متخصصاً حول العالم، ومن بين دول الشرق الأوسط كلها كان مركز الجلطة الدماغية في مستشفى شار هو الوحيد الذي حصل على تلك الشهادة، بحسب الدكتور زانا.

•أكثر من 700 مصاب

وقد عالج مركز الجلطات الدماغية في مستشفى شار أكثر من 700 مصاب، منهم من أصيب بشلل كامل وتم علاجه ليخرج على قدميه سليماً. ويحتفظ المركز بأرشيف فيديوي يضم أكثر من 70 فلماً لحالات تم شفاؤها.

وبهذا الشأن يؤكد الدكتور زانا عبد الرحمن محمد، على أهمية «افتتاح مراكز حكومية لعلاج الجلطات الدماغية في المدن التي تضم تجمعات سكانية مناسبة سواء في إقليم كردستان أم العراق»، لافتاً إلى أن وجود مثل تلك المراكز «يسهم في التخفيف من معاناة المصابين الذين لا يسعهم تلقي العلاج بالوقت المناسب».

ويناشد زملاءه من أطباء الجملة العصبية «التحرك للضغط على الجهات المعنية بهذا الاتجاه»، مثلما يناشد وسائل الإعلام «القيام بحملات توعية بالجلطات الدماغية وأسبابها وأعراضها وضرورة الإسراع بإيصال المصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج قبل فوات الأوان».

ويطمح لأن يتمكن من «تطوير مركز مستشفى شار ليتمكن من إجراء القسطرة الدماغية للمصابين بالجلطات الذين لا يستفادون من الأدوية».

•معاناة شنه

وما إن هممنا بمغادرة المركز، حتى لفتت انتباهنا السيدة شنه، التي بدت علامات الحزن والأسى واضحة على وجهها، بعد إبلاغها بتعذّر علاج زوجها، الذي تعرض لجلطة دماغية قبل أيام قليلة.

وتروي شنه، وهي من أهالي قضاء كلار، الواقع على بعد نحو 130 كلم من مدينة السليمانية، أن حالة زوجها الصحية «تدهورت قبل بضعة أيام إثر إصابته بصداع شديد لم تنفع في علاجه المسكنات التي كان يتناولها»، مبينة أن استمرار تدهور حالته وإصابته بنوع من الشلل وفقدانه القدرة على الكلام «اضطر الأسرة إلى التوجه نحو السليمانية أملاً بالحصول على الرعاية الطبية اللازمة».

لكن رحلة البحث عن العلاج انتهت بخبر لم تكن شنه تتوقع سماعه، إذ أُبلغت بأن حالة زوجها «بلغت مرحلة متقدمة يتعذر علاجها في المركز نتيجة التأخر في الوصول إلى المستشفى».

وهكذا وجدت شنه نفسها أمام واقع مؤلم لم تكن تتوقعه، بعدما وصلت إلى المستشفى وهي تأمل في إنقاذ زوجها، لتواجه بدلاً من ذلك لا صعوبة الحصول على العلاج فحسب، بل وتداعيات إصابته بالشلل وفقدانه القدرة على الكلام، وما يتطلبه ذلك من أعباء مضافة على الأسرة، صحياً ونفسياً ومعيشياً.

•مستشفى للعراقيين كافة

ولا تقتصر أهمية مستشفى شار التعليمي على الوحدة المتخصصة في علاج الجلطة الدماغية، إذ يقدم خدمات طبية لعدد كبير من المرضى القادمين من السليمانية وحلبجة وإدارتي رابرين وكرميان المستقلتين، فضلًا عن مرضى من محافظات عراقية أخرى وإيران.

ويقول نائب مدير المستشفى أوميد هدايت محمد، إن المستشفى «افتتحت في أيار/ مايو 2013 على مساحة 79 ألف متر مربع وكانت تضم حينها 400 سرير»، مشيراً إلى أنها «استكملت إضافة أقسام الطوارئ كلها باستثناء الولادة بعد عام من ذلك التاريخ وأصبحت تضم الآن 525 سريراً و60 وحدة طبية أو إدارية وأقساماً للعزل والحمى النزفية ويعمل فيها 2100 شخص منهم 561 طبيباً».

ويضيف أن المستشفى «تخدم أكثر من أربعة ملايين شخص وتستقبل نحو ألف مريض يومياً 30% منهم من خارج السليمانية»، لافتاً إلى أنها «تضم عيادة استشارية تعمل منذ الثامنة صباحاً إلى الثالثة فجراً».

ويواصل نائب المدير بأن المستشفى «أعدت دليلاً خاصاً بالحالات الطارئة والكوارث تحسباً لما تشهده المنطقة من تعقيدات وتوترات»، منوهاً إلى أن الدليل «أعد بالتعاون مع ثلاث منظمات عالمية هي الصليب الأحمر والصحة العالمية وأطباء بلا حدود».

ويتابع أن المستشفى «جهزت عشرات الحقائب الطبية المتكاملة التي يمكن استخدامها فوراً في علاج ضحايا الحالات الطارئة والكوارث»، معتبراً أنها «أول من قام بمثل ذلك الإجراء الوقائي في إقليم كردستان والعراق»، بحسب قوله.

وأورد أوميد هدايت محمد، أن المستشفى «حصل على عدة شهادات شكر وتقدير من جهات محلية وعالمية»، موضحاً أن منها «المركز العالمي للجلطات الدماغية وقنصل فرنسا في إقليم كردستان ومنظمات طبية أخرى».

وناشد نائب المدير الجهات المعنية بضرورة «تقديم الدعم والرعاية للمستشفى الي يخدم العراقيين كافة دون تمييز»، منوهاً إلى أن من شأن ذلك «مساعدة المستشفى على الارتقاء بأدائها وتقديم خدمات أكثر للتخفيف من معاناة المرضى».

•أرقام تعكس حجم النشاط الطبي

وبحسب بيانات قدمتها إدارة مستشفى شار فإن حجم الخدمات التي قدمتها خلال عام 2025 كانت كالآتي:

-المراجعون 320137

-الراقدون 68666

-العمليات الجراحية 14240

-فحص الأشعة 104459

-فحص السونار 41615

-فحوصات مختبرية 871590

-تخطيط القلب 23829

•القاعدة الذهبية

إن تجربة وحدة الجلطة الدماغية في مستشفى شار التعليمي تبرز أهمية تطوير الخدمات الطبية المتخصصة، بيد أنها تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة بشأن إمكانية توفير رعاية مماثلة في مدن كردستانية وعراقية أخرى.

فنجاح علاج الجلطة الدماغية يرتبط بمنظومة متكاملة، تبدأ بوعي المجتمع بالأعراض، وتمر بسرعة نقل المريض والتشخيص الدقيق، وصولاً إلى توفير العلاج المناسب ومستلزمات إعادة التأهيل.

ومن هنا، فإن توسيع نطاق الوحدات الطبية المتخصصة، وتدريب الملاكات، وتعزيز التنسيق بين الإسعاف والمستشفيات، وتوفير بيانات واضحة عن نتائج العلاج، تمثل المفتاح نحو تعافي المرضى وعودتهم إلى حياتهم الطبيعية، بعيداً عن شبح الإعاقة.

وبين تجربة المريض (س. ع) الذي غادر المستشفى على قدميه بعد تلقيه العلاج، وطموح الفريق الطبي للارتقاء بخدماته، تبقى الرسالة الأهم والقاعدة الذهبية هي أن التعامل مع الجلطة الدماغية يبدأ من التعرف على أعراضها وعدم إضاعة الوقت قبل طلب المساعدة الطبية.

 


مشاهدات 44
الكاتب باسل الخطيب
أضيف 2026/10/31 - 2:48 PM
آخر تحديث 2026/11/01 - 12:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 96 الكلي 16650630
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير