بلاغة النص وجماليته بقصيدة في كل يومٍ جرحُنا يتناسلُ
مها محمد
تعد قصيدة (في كلِّ يومٍ....جرحُنا يتناسل ) للشاعر العراقي موسى عبد شوجة نموذجاً للشعر الوجداني المعاصر الذي يمزج بين ألم الفقد الشخصي وتجربة الزمن القاسية.
نُشر النص في جريدة الزمان الدولية .. وهو يستكشف كيف تتحول صورة الحبيبة من مصدر إلهام ونور إلى قوة تسهم في إثقال كاهل الشاعر وتعميق جراحه مع مرور الأيام.
حيث تنهض البنية البلاغية في قصيدة الشاعر موسى عبد شوجة على تصوير المعاناة الوجدانية من خلال المزاوجة بين مجازات الألم وعناصر الطبيعة الكونّية. فالخطاب البلاغي في النص لا يقف عند حدود الوصف الظاهري، بل يتحول إلى أداة لتعميق الفجوة بين عالم الشاعر الداخلي (المترع بالحنين) وعالمه الخارجي (المثقل بالجفاء والزمن).
الصور الأخيلية والتشبيهات والاستعارة المكنية والتشخيص"جرحُنا يتناسلُ" استعارة مكنية بليغة حيث شبّه الجرح (وهو معنى مجرد) بكائن حي يتكاثر ويتناسل، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه. تفيد هذه الصورة تجسيد الألم وتحويله من حدث عابر إلى حالة وجودية متجددة ومستمرة مع الزمن. "السنينُ تؤنبني" كذلك استعارة مكنية شخّصت الزمن (السنين) في صورة إنسان يلوم ويوبخ الشاعر. وجه البلاغة هنا هو إبراز الوعي المتأخر بالخسارة وجعل الندم صوتاً حياً يطارده. حيث يتضح التشبيه الوجداني والمفارقة"قلبي غيثٌ هاطل" مقابل "غصنُ وصلِها ذابل"إذ أنه تشبيه بليغ لطبيعة عاطفة الشاعر بالمطر المتدفق، تُقابله صورة الجفاف والموت في طرف الحبيبة. لذا تكمن القيمة البلاغية في إبراز عدم التكافؤالعاطفي بين تضحية العاشق وجفاء المعشوق.
و"الحب سراب" كذلك تشبيه بليغ يحذف الأداة ووجه الشبه، ليختزل صدمة الوعي بالواقع؛ حيث تحول الطموح العاطفي إلى وهم يطارد الشاعر دون طائل.
ولو لاحظنا المحسنات البديعية (التأثيث الدلالي والموسيقي)
فأننا ندرك قد وظّف الشاعر المحسنات البديعية كضرورة شعورية لتعميق التضاد ونقل التوتر النفسي، وليس لمجرد الزينة
اللفظية.اما طباق الايجاب (المعنوي)
يمكن تحديده من خلال الجمع بين (الأنوار
الدياجي) و**(الوصل / راحل)**.
اذ ان الأثر البلاغي يبرز التناقض الحاد في رحلة الشاعر النفسية حيث تحولت حياته من ضياء الأمل بالحب إلى ظلام الحيرةوالضياع بعد الفراق. واود اشير الى المقابلة التركيبية
المقابلة بين انسياب عاطفته الصادقةوعطائه ومقابلتها بتعالي الحبيبة وصدرها الضيق (أنفٌ تعالا).فهذا يعني تعميق الإحساس بالظلم والخذلان.وقد وفق الشاعر بحسن التقسيم والتوازي (اللفظي)ويظهر في قوله "فالعطرُ يعشقُ... والبحرُ يعشقُ...".
لذا فان الأثر البلاغي استدركه الشاعر بتقسيم العبارات إلى جمل متساوية في الطول والوزن ليولّد نغماً داخلياً يشد انتباه المتلقي، ويعكس التناغم الكوني الذي كان يراه الشاعر في وجود الحبيبة قبل الصدمة.
ومن الأساليب والتركيب النفسي الذي ضمنه الشاعر بالقصيدة هو الخبر الانكاري والتقرير
وهيمنة الأسلوب الخبري في النص (مثل: في كل يوم جرحنا يتناسل، الحب سراب) تعكس رغبة الشاعر في تقرير الحقائق الفاجعة
فالشاعر لا يستفهم أو يترجى، بل يطرح واقعه المرير كمسلّمات لا يمكن الفكاك منها.
التقديم والتأخير في قوله "في كل يوم جرحنا يتناسل"، قدّم شبه الجملة الجار والمجرور (في كل يوم) على الجملة الاسمية والفعليّة.ليؤكدالأثر البلاغي بأفادةالتخصيص والتوكيد على أن عنصر الزمن (اليوم الحاضر) هو المحرك الأساسي لمأساة تجدد الجراح وليس مجرد وعاء زمني عابر.
كما أننا نلاحظ الصورة الشعرية والرمزية والتي وظفها الشاعر وهو يستخدم عناصر الطبيعة والمجرّات (العطر، البحر، الساحل، النجوم، الجداول) لبناء فضاء رومانسي تقليدي، لكنه يكسر هذا الفضاء فوراً بتحويل الدموع إلى أنهار والأنين إلى جداول ناتجة عن انطفاء أنوار العين حيث أن شجن الحبيبة قد رسمه الشاعر بأتقان وحسرة وهو يترجم بذلك تأثير حبيبته وكيف تتخذ الحبيبة في هذه القصيدة أبعاداً مركبة تؤثر بشكل مباشر على البنية النفسية والدلالية فالبُعد التأثيري تجلياته واضحه في النص حيث صوّر الحبيبة كمركز للكون يفيض عطرها على المجرة، ويعشقها البحر لأنها ساحله، مما يجعلها المحرك الأساسي لعواطف الشاعر.. التي هي مصدر للوهم والسراب .ليكتشف الشاعر مؤخراً أن حبه كان سراباً، وأن طيف الحبيبة راحل، مما يحول الشوق إلى مساحة من العسرة والألم.
هنا نلاحظ محفز للوعي وتأنيب الذات غياب التكافؤ العاطفي وجفاء الحبيبة ("أنفٌ تعالا") مما يدفع الشاعر إلى مراجعة حياته والشعور بأن السنين تأنبه على الخسارة.
إن تأثير الحبيبة هنا ليس تأثيراً إيجابياً باعثاً على الأمل، بل هي "الغائب الحاضر" الذي يذكي نيران الشوق في الدياجي، ويترك الروح حائرة والنجوم منازل بعيدة لا تُطال، ليبقى الجرح يتناسل مع كل شروق جديد.
اما اذا سلطنا الضوء على التحليل الموسيقي الإيقاع الخارجي والداخلي البحر الشعري والوزن نلاحظ قد كُتبت القصيدة على بحر الكامل (متَفاعِلُن متَفاعِلُن متَفاعِلُن). وهو بحر يمتاز بالمرونة والاتساع، وله نبرة موسيقية تجمع بين القوة واللين.حيث استخدم الشاعر هذا البحر تحديداً لأنه يمنحه مساحة كافية للتعبير عن دفقات الحزن الممتدة، وتكرار التفعيلة المتفاعلة يماثل نبضات الألم المتلاحقة مع "تناسل الجراح" ولو تحسسنا القافية والروي
فأننا نشاهد قد التزم الشاعر بـقافية موحدة تنتهي بحرف اللام المضمومة المسبوقةبالألف (مثل: يتناسلُ، القوافلُ، الساحلُ، الجداولُ، هاطلُ).وحرف الروي (اللام) هوحرف مجهور ومائع (من الحروف الذلقية)، يعكس نغمة تشبه الانسياب والتدفق. اختياره مضموماً يوحي بالانقباض وضيق الصدر، وكأن الأنين والدموع يتدفقان من داخله كالـ"جداول" دون توقف. اما الموسيقى الداخلية فان الشاعر اعتمد على التكرار اللفظي والصوتي (مثل تكرار السين والشين في بعض الأبيات)، مما خلق رنيناً داخلياً هادئاً يتماشى مع أجواء الليل والدياجي. وهنا اود الاشارة الى التوازي التركيبي في تقطيع العبارات (مثل: " البحر يعشق")، وهو ما يعطي نفساً غنائياً حزيناً للقصيدة.اما الصور والبيان فان القصيدة تزخر بألوان بلاغية تخدم الفكرة
الوجدانية فالاستعارة المكنية في قوله "جرحنا يتناسل"؛ حيث شبّه الجرح بكائن حي يتكاثر، وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من لوازمه (يتناسل)، وهي صورة قوية تجسد نمو الألم الذاتي.ولو قارننا صورة المرأة في القصيدة بالقصائد الوجدانية الأخرى في الشعر الوجداني المعاصر (لا سيما العراقي كشعر السياب أو نازك أو حتى القصيدة العمودية الحديثة)، تتأرجح المرأة عادة بين ثلاث صور:(الرمز الوطن، أو الملهمة البعيدة، أو الحبيبة الخائنة/الجافة).فان في هذه القصيدة:تظهر المرأة في البداية كـ"مركز كوني" (يعشقها البحر والمجرة)، وهو امتداد للمدرسة الرومانسية التي تجعل المرأة مساوية للطبيعة. لكن الشاعر سرعان ما يحولها إلى مصدر "للأنانية والتعالي" (أنفٌ تعالا). هنا تختلف الصورة عن رومانسية وتقترب من الواقعية الوجدانية حيث يُحمّلها الشاعر مسؤولية انطفاء نوره وتشتت سنينه،
مما تقدم فان هذه القصيدة للشاعر موسى عبد شوجة قد بثت تحليلاً عميقاً لمعاني الألم، والجفاء، والندم من خلال صور بلاغية متنوعة كالاستعارات والتشبيهات. اذ بدأ الشاعر بوصف ديمومة الجراح وتوالي قوافل الوجع، ثم ينتقل إلى صدمة جفاء الحبيبة قبل أن يختتم بالاقرار بالتيه والخسارة والندم على السنين الضائعة.واستخدم الشاعر موسى عبد شوجة في قصيدته مجموعة من المحسنات البديعية (اللفظية والمعنوية) بطريقة تخدم دفقته الشعورية، ولم يأتِ بها لمجرد الزينة اللفظية، بل لتعميق الاحساس بالفجوة النفسية والألم الذي يعيشه.فالطباق -المحسنات المعنوية- فأنه استخدم طباق الايجاب (الجمع بين الكلمة وضدها) ليجسد التناقض الحاد بين ما كان يتمناه وما آل إليه واقعه، ومن أبرزها الأنوار/الدياجي ليبرز هذا الطباق الحالة النفسية للشاعر حيث تحولت حياته من ضياء الحب وأمله إلى ظلام الفراق والحيرة.
الوصل / راحل/ذابل.. ليوضح الفجوة بين رغبته في الاتصال واللقاء، وواقع الهجر
والرحيل الذي فرضته الحبيبة.
السراب /الغيث/ الهاطل ..كذلك يمثل المقابلة بين حقيقة عاطفته الصادقة
والمتدفقة كالمطر، وبين أحلامه في وصل للحبيبة التي تبخرت كالسراب.
وفي هذه القصيدة قد برزت المقابلة -المحسنات المعنوية-لم يكتفِ الشاعر بتضاد الكلمات المفردة، بل وضع تركيباً كاملاً في مواجهة تركيب آخر ليعمق المفارقة المقابلة بين عاطفته وعاطفتها يقابل الشاعر بين صورته كعاشق يمنح الحنين وفيض الشوق ("وقلبي غيث هاطل"/ "أنوار عيني" )، وبين صورتها في المقابل وهي تتعالى وتصد ("وغصن وصلها ذابل"/ "وأنفٌ تعالا"). هذه المقابلة تبرز عدم التكافؤ العاطفي وظلم الطرف الآخر.
اما التوازي التركيبي والتقسيم -المحسنات اللفظية- وهو تقطيع الأبيات إلى جمل متساوية في الطول والوزن، مما يخلق إيقاعاً موسيقياً داخلياً يشد انتباه السامع
• يظهر ذلك بوضوح في قوله:
"فالعطر يعشقُ... والبحر يعشقُ..." هذا التوازن بين الجمل يعكس حالة الهيام والتعلق الكوني بالحبيبة، ويسرّع من النبرة الموسيقية للنص قبل أن تصطدم بجدار الحزن.اما الجناس غير التام / الاشتقاقي -المحسنات اللفظية-قد استخدم الشاعر كلمات تشترك في الحروف والجذور اللغوية لتوليد نغمات موسيقية حزينة• (جرحنا / يتناسل) اما التتابع الصوتي بين الكلمتين يربط بين الذات المتألمة والفعل المستمر. فالتناغم بين كلمات مثل (الجداول، منازل، قائل) يمنح القافية امتداداً صوتياً يشبه صدى الأنين المتردد في الأفق.
*********