الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
يذهب السياسيون.. ويبقى الشعراء

← بواسطة azzaman

يذهب السياسيون.. ويبقى الشعراء

بدل رفو

 

​على حين غرة، وفي تلك الساحة الافتراضية المفتوحة على كل ريح، طالعني فيديو لسياسيٍّ عراقي مخضرم، ممن تقلدوا من مناصب الدولة ما تشهده الأيام والسنين. كان الرجل يتفلسف من علٍ ناقداً للشعراء، ومصرحاً بوقاحة العارف: (الأوطان لا تُبنى بالشعر!).

​وطبيعتي تأبى مجادلة السياسيين، فدعوه يرى ما يرى، ويقرأ لمن شاء أو لا يشاء. لعل حافظته المعرفية لا تتسع لأسماء عمالقة التاريخ مثل بوشكين، أو مايكوفسكي، أو سيرغي يسينين، أو من رموزنا الكردية الشامخة: أحمدي خاني، وملا أحمد الجزيري، او العراقية نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وغيرهم ممن حفروا في صخر الوجدان.

​ولست أعتب على هذا السياسي في نهاية المطاف، فالشاعر الحقيقي هو من يزلزل عروش الطغاة ويسقط الأنظمة، لا من يصفق لها. وربما يعذر، فمعرفته بالشعراء محصورة بأولئك المتسلقين الذين يتقلدون خمسة أو ستة رواتب من خزينة الدولة، وأولئك بالطبع أصدقاؤه ومقربوه. أما الشاعر الحقيقي، الذي يكتب بصمت، ويحترق خوفاً على شعبه ووطنه، فليس بصديق له، ولا هو بصديقٍ لهؤلاء الشرفاء.

​نعم، أتفق معه في أمر واحد: الوطن لا يبنى بقصائد الشعراء الانتهازيين، المتملقين، والفاسدين، ولا بشعراء الديوان والبلاط ممن يقتاتون على المدائح. لكن الأوطان لا تبنى أيضاً إلا بقصائد الشعراء الحقيقيين؛ فهم هوية الأرض وحارسو الذاكرة.

​ولكن، لنسأل هذا السياسي المنظر: هل يذكر من كان وزير الثقافة في زمن نجيب محفوظ؟ هل يعرف من كان وزيراً للثقافة في زمن محمد شكري أو محمد الماغوط؟ أو هل يذكر التاريخ وزيراً عابراً حين كان محمد مهدي الجواهري يملأ العراق والعالم شعراً وثورة؟ قطعا لا… التاريخ ينسى السياسيين وكأنهم لم يكونوا، ويحفظ أسماء المبدعين في سواد العيون.

​أما أنا، فلم تكن لي قطُّ يدٌ أو ودٌّ مع السياسة، وحين أرى سياسياً يتشدق بالحديث عن (الوطن)، يكاد يصيبني الغثيان! ولأننا نعرف بعضنا البعض جيداً، ولأن كراسيكم ومناصبكم تكفيكم… فدعوا الشعراء وشأنهم، واحتسوا بسلام ما تقترون على احتسائه من دماء ذلك الوطن المسكين.

​فليعيرنا السياسيون صمتهم، وليتركوا للأرض أصواتها، فبينما يرحل هؤلاء بلا أثر سوى الخراب، يظل الشعراء هم الهوية الحقيقية للأوطان، بينما يبقى بعض السياسيين.. مجرد وصمة عارٍ سوداء في تاريخها!


مشاهدات 32
الكاتب بدل رفو
أضيف 2026/10/31 - 1:07 PM
آخر تحديث 2026/11/01 - 3:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 378 الشهر 378 الكلي 16650912
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير