عندما يمرض الشعراء... يدعو لهم الوطن
تحية إلى الشاعر العراقي حميد قاسم
ياس خضير البياتي
ليس المرض سوى عثرةٍ في طريق الجسد، أما الذين عاشوا للكلمة فإن أرواحهم تبقى أكبر من العارض، وأوسع من الألم.
وحين يمر شاعر بحجم حميد قاسم بوعكةٍ صحية، لا يشعر محبوه بأن إنسانًا واحدًا هو الذي يمرض، بل يخيّل إليهم أن القصيدة نفسها قد دخلت غرفة العلاج، وأن جزءًا من الذاكرة الثقافية العراقية ينتظر أن يستعيد عافيته.
حميد قاسم واحد من أولئك الشعراء الذين اختاروا الطريق الأصعب؛ طريق الإبداع الصامت. لم يكن يومًا من الذين يصنعون أسماءهم بالضجيج، ولا ممن يطاردون المنابر أو يراكمون الحضور الإعلامي.
كان يؤمن بأن القصيدة هي التي ينبغي أن تتقدم، وأن الشاعر الحقيقي يترك نصوصه تتحدث عنه، فلا يزاحمها بصوته ولا يثقلها بادعاءاته.
لذلك ظل حضوره هادئًا، لكنه عميق، يشبه النهر الذي لا يثير الجلبة، لكنه يمنح الأرض خصوبتها.
وُلد في بغداد، المدينة التي لا تمنح أبناءها اللغة وحدها، بل تمنحهم ذاكرةً كاملة من الحنين والأسئلة والقلق الجميل.
وفي رحاب جامعة بغداد أكمل دراسته في كلية الآداب، متخرجًا عام 1983–1984، ثم واصل رحلته العلمية حتى نال درجة الماجستير في الأدب العربي الحديث والنقد عام 1996 بتقدير امتياز.
كانت المعرفة بالنسبة إليه امتدادًا للشعر، وكان الشعر طريقًا آخر إلى المعرفة، ولذلك لم يكن الأكاديمي فيه منفصلًا عن الشاعر، بل كان كلٌّ منهما يغذي الآخر.
ومن بغداد حمل حقيبة الذاكرة إلى دبي عام 1997، لكنه لم يغادر العراق يومًا. ظل العراق يسكن قصائده كما تسكن الروح الجسد، وظلت بغداد حاضرة في مفرداته وصوره وإيقاعه الداخلي.
وهناك واصل عمله محررًا ثقافيًا في صحيفة الاتحاد، وأسهم في النشاط الثقافي العربي، وتولى مهام المدير التنفيذي لرابطة القلم الدولية – فرع العراق، مؤمنًا بأن الثقافة رسالة قبل أن تكون وظيفة.
لكن المناصب ليست ما يعرّف حميد قاسم، فالإنسان يُعرف بما يتركه من أثر، لا بما يشغله من موقع. وقد ترك للشعر ما يكفي ليبقى حاضرًا في المشهد العراقي؛ أصدر رواية، وثلاثة دواوين شعرية، وكتابين للأطفال، ودراسة نقدية عن الشعر العراقي الحديث.
ومع ذلك بقي بعيدًا عن نزعة الترويج للذات، وكأنه كان يثق بأن الزمن أكثر عدالة من الضجيج، وأن النص الحقيقي سيجد قارئه ولو بعد حين.
بدأ كتابة الشعر في مطالع السبعينيات، وكتب بالفصحى وبالعامية، ونشر نتاجه في صحافة تلك المرحلة، ليكون أحد الأصوات التي أسهمت في تشكيل المشهد الشعري العراقي الحديث.
ولم يكن أسير شكل واحد من أشكال الكتابة؛ فقد كتب القصيدة الموزونة وقصيدة النثر، لكنه ظل وفيًا لجوهر الشعر، لا لشكله. كان يكتب لأن لديه ما يقوله، لا لأنه يريد أن يثبت أنه شاعر.
وفي قصائده تمتد الحياة بكل تناقضاتها؛ الطفولة، والحب، والوطن، والمنفى، والحرب، والحصار، والحرية، والموت، والذاكرة.
غير أنه لا يقدّم هذه الموضوعات في لغة معقدة أو غامضة، بل يذهب إلى أعماقها ببلاغة هادئة، تجعل القصيدة قريبة من القلب، بعيدة عن التكلف.
إنها كتابة تعرف أن الوضوح ليس نقيض العمق، وأن البساطة الحقيقية ثمرة خبرة طويلة، لا نتيجة فقر في الرؤية.
ولعل أكثر ما يميزه أنه بقي وفيًا لجوهر المثقف العراقي الذي يرى في الكلمة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازًا أدبيًا.
لم يتعامل مع الشعر بوصفه زينة لغوية، بل باعتباره موقفًا من الحياة، وطريقة في الدفاع عن الإنسان، وحفظ الذاكرة، ومقاومة النسيان.
لذلك بقي قريبًا من أصدقائه، ومن الوسط الثقافي، ومن قرائه، من دون أن يتخلى عن تواضعه أو عن عزوفه عن الاستعراض.
لم يكن في نيتي أن أكتب عن الشاعر حميد قاسم في هذا الوقت، لكنني شاهدته عبر شاشة التلفاز خلال حفل توقيع دواوينه الشعرية في نادي الصيد، فاستوقفني شيء لم أستطع تجاوزه. بدا صوته أكثر هدوءًا من المعتاد، وكانت ملامحه وجسده يوحيان بأن ثمة تعبًا يحاول أن يخفيه بابتسامته المعهودة.
لم أشأ أن أستسلم لهذا الانطباع، وظننته مجرد إرهاق عابر، حتى سألت عددًا من أصدقائه المقربين، فعرفت أنه يمر فعلًا بأزمة صحية لم أكن قد سمعت بها من قبل. عندها أدركت أن إحساسي لم يكن مجرد انطباع، وأن هذا الشاعر الرقيق ظل، كما عرفناه دائمًا، يخفي أوجاعه بصمت، فلا يشكو كثيرًا، ولا يجعل من مرضه حديثًا للناس، لأنه من أولئك الذين يؤثرون أن يبقى الألم شأنًا شخصيًا، وأن تظل الكلمة هي التي تتحدث عنهم.
واليوم، ونحن نتابع أخبار أزمته الصحية، لا نستعيد سيرته من باب الرثاء، فالرجل ما زال بيننا، وما زالت قصائده تنبض بالحياة، وإنما نستعيدها وفاءً لشاعر منح الشعر سنوات عمره، ومنح الثقافة العراقية جزءًا من روحه.
إن المبدعين الحقيقيين لا يُقاسون بعدد ما كتبوا فحسب، بل بمقدار ما تركوه من أثر في وجدان الناس، وحميد قاسم واحد من هؤلاء.
نسأل الله أن يمنّ عليه بالشفاء العاجل، وأن يتجاوز هذه الأزمة الصحية، ليعود إلى محبيه وإلى قرائه وإلى قصيدته التي ما زالت تنتظر صوته.
فالشعر العراقي يحتاج إلى شعرائه، والثقافة العراقية تحتاج إلى أصحابها المخلصين، والوطن لا ينسى أبناءه الذين كتبوه حبًا، وعاشوا من أجل أن تبقى الكلمة أكثر بقاءً من الألم.
سلامًا لك أيها الشاعر النبيل... وليكن الشفاء قصيدتك القادمة، ولتعد كما عرفناك دائمًا، حاملًا نور الكلمة، ومؤمنًا بأن الشعر، مهما أثقله الحزن، يظل قادرًا على الانتصار للحياة.