تكريت التي رأيت
احمد عبد المجيد
خصني زملائي في قسم الاعلام بكلية آداب جامعة تكريت، التفاتة علمية، أمضيت بفضلها نهاراً كاملاً في رحاب الجامعة التي تأسست بكلية واحدة منتصف الثمانينات وتوسعت حالياً، الى 22 كلية تربض مبانيها الرائعة على اكبر مساحة لجامعة في الشرق الاوسط.
وكنت قد زرت تكريت، للمرة الأولى، قبل نحو عقد من الزمان، وأنا في طريق المرور الى مدينة أربيل، وأمضيت ساعتين في ضيافة صديقي الوفي الدكتور سعد سلمان المشهداني، وفوجئت بأن المدينة التي كان الظن السائد انها تنعم في بحبوحة العيش زمن النظام السابق، تحتضن واحداً من أكبر أحياء الصفيح في العراق، وترتفع فيها نسب الفقر والمحرومية، بشكل ملفت للنظر، اعاد الى ذهني التعريف الأكاديمي الشائع في أدبيات الاعلام عن الصورة النمطية.
وقبل يومين كنت في ضيافة أخواني أساتذة قسم الاعلام لمناقشة اطروحة دكتوراه تبحث في اتجاهات الصحافة الغربية ازاء الحرب الاسرائيلية على غزة، وفي الطريق الى الجامعة، عبر بوابة محافظة صلاح الدين، قطعنا بسيارة الدكتور سيف الغريري نحو 20 كيلو متراً، ولعل وقوع الجامعة في اطراف تكريت يفسر احتلالها هذه المساحة الشاسعة التي توجتها باللقب المكاني. وعلى امتداد الطريق المؤدي أيضاً الى بيجي و الموصل، تنهض مبان لمشاريع لم تكتمل، بعضها قديم تدل عليه ركائزه، يبدو ان مقاوليه تقاضوا تخصيصات المشروع وهربوا، وبعضها قيد الانجاز، ومنها مجمعات سكنية تمنيت ان تكتمل بأقرب فرصة لتعويض المواطنين سنوات الهدر والحرمان، وربما تقليص حي الصفيح الى أقرب مساحة ممكنة أو اقتلاعه، ولهذا أناشد الهيئة العامة العراقية لمراقبة توزيع الموارد الاتحادية، ايلاء مشاريع تكريت أهمية استثنائية والنظر اليها، كمدينة تتصف بالمحرومية، أسوة بمدن الجنوب والوسط وغيرها.
ومن العمران الشحيح الى الانسان الصحيح في تكريت، أشيد بالضيافة التي حظينا بها، وكان يرافقني صديقي نقيب المحامين الاسبق ضياء السعدي وتلميذي السابق وزميلي الحالي الدكتور عدنان الجياشي من كلية الأمام الكاظم، وبرغم ان الكرم صفة عربية ثابتة يشترك بها العراقيون قاطبة، فأنه بالنسبة لأهالي تكريت واطرافها، كناحية العلم والرفاعية، دالة اخلاقية قد يتفردون بها، فبيوتهم مشرّعة الابواب وصدورهم مفتوحة للترحاب بالقاصي والداني، وقلوبهم متسامحة، مغلقة المنافذ على النعرات الطائفية والمناطقية بكل اشكالها، فأنت صديقهم وضيفهم وانت جارهم وقريبهم ( ابن العم وابن الخال)، طالما دخلت الحيز الذي يعيشون او يزاولون العمل به، فيقدمون الخدمة اليك ويستدرجونك الى فضاء محبتهم، ويغمرونك بكل معاني الاخوة الواحدة والهوية العراقية.
وهذا ما وجدناه في رحاب كلية الآداب، وقبلها اثناء استقبالنا في الصباح شبه الباكر في أروقة قسم الاعلام، حيث الاساتذة الذين التقيناهم سابقاً في بغداد أو مدن أخرى، خلال المؤتمرات العلمية، أو زملائهم الذين تعرفنا عليهم، وقد نالوا شهاداتهم العليا، بالجهد والمثابرة والهدف العلمي النبيل، فقد أظهروا اهتماماً بنا وتفاؤلاً وحماساً، مثلما رأيتهم متواضعين أمام جميع الناس، واكتشفتهم أنهم لم يغضبوا على شيء، وقد تعلموا السحر الحلال (الابتسام)، ولعل الأجمل فيهم انهم يحسنون الاستماع والاصغاء ويتقنون فن الكلام، وتلك بحسب خبراء علم النفس مقومات الشخصية الجاذبة.
وفي العودة الى بغداد ألحّت فكرة دعوة أوجهها الى الحكومة المحلية في صلاح الدين والى المحافظ الذي اشاد زملائي التدريسيون به، بالتفاني الجاد من أجل خدمة اهالي تكريت وتعويضهم عقود الحرمان التي كابدوها، وذلك بمتابعة المشاريع المتلكئة أو المتروكة الى النصف، أو تلك التي مازالت قيد التنفيذ. فأعمار النفوس يتعزز بأعمار المدن وأهلها، كما أهيب بالحكومة المركزية تعويض ميزانية محافظة صلاح الدين وتأمين ابواب صرفها، لتذهب الى الاعمار وفرص العمل للشباب، فالدولة كما قال سقراط تشبه ابناءها، فلا نطمح بترقية الدولة إلا بترقية ابنائها.