الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المناعة الوطنية

بواسطة azzaman

المناعة الوطنية

محمد كاظم الفاضلي

 

ليست المناعة الوطنية صفة ثابتة تُمنح للشعوب، بل هي عملية تاريخية طويلة تتكون من تراكم الخبرات المشتركة، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ هوية وطنية تتقدم على الهويات الفرعية عند الأزمات. ومن هذا المنظور، يطرح العراق سؤالًا مهمًا: هل أخذ العراقيون وقتهم الكافي لاستكمال تطورهم المشترك نحو هوية وثقافة جامعة؟الواقع أن الدولة العراقية الحديثة لم يتجاوز عمرها قرنًا واحدًا، وهو زمن قصير نسبيًا مقارنة بأمم احتاجت قرونًا حتى تستقر هوياتها الوطنية. وخلال هذا القرن لم يعش العراق مسارًا طبيعيًا ومتصلًا؛ فقد تعاقبت عليه الانقلابات والحروب والحصار والاحتلال والإرهاب والصراعات السياسية، وهي ظروف أعاقت تشكل ذاكرة وطنية مستقرة، وجعلت كثيرًا من العراقيين يبحثون عن الأمان داخل دوائرهم الفرعية؛ الطائفة أو العشيرة أو القومية أو الحزب.ورغم ذلك، فإن المجتمع العراقي أظهر في محطات كثيرة قدرًا لافتًا من المناعة الوطنية. فعندما تعرض العراق لتهديدات وجودية، ظهرت موجات واسعة من التضامن بين مختلف مكوناته، وهو ما يكشف أن الشعور الوطني لم يختفِ، وإنما بقي كامنًا ينتظر الظروف التي تسمح له بالظهور.لكن المشكلة تكمن في أن هذا الشعور الوطني لا يزال موسميًا في كثير من الأحيان؛ إذ يشتد في لحظات الخطر، ثم يتراجع أمام الاستقطابات السياسية والخطابات الإعلامية والهويات المتنافسة. وهذا يعني أن المناعة الوطنية موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى ثقافة يومية راسخة.إن بناء الهوية الوطنية لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى تعليم يعزز المواطنة، وإعلام يركز على المشتركات، وعدالة يشعر معها الجميع بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من مواطنيها، إضافة إلى تنمية اقتصادية تقلل من أسباب الانقسام.لذلك، قد يكون السؤال الأدق ليس: هل فشل العراقيون في بناء هوية جامعة؟ بل: هل أُتيحت لهم الظرو ف التاريخية الكافية لإنجاز هذا البناء؟ والإجابة تبدو أقرب إلى أن العراق ما زال يعيش مرحلة تشكل هويته الوطنية، وأن هذه العملية لم تكتمل بعد بسبب تعاقب الأزمات أكثر مما هو بسبب طبيعة المجتمع نفسه.إن المناعة الوطنية العراقية ليست ضعيفة بالضرورة، لكنها ما تزال في طور النضج. فكلما اتسعت مساحة المواطنة، وتراجعت الانقسامات، وتعززت الثقة بالدولة، ازدادت قدرة المجتمع على حماية نفسه من التفكك. وفي النهاية، فإن مستقبل العراق لن تحدده كثرة موارده أو قوة مؤسساته وحدها، بل قدرة العراقيين على إنتاج ثقافة مشتركة تجعل اختلافاتهم مصدر ثراء، لا سببًا للانقسام

 

 


مشاهدات 49
الكاتب محمد كاظم الفاضلي
أضيف 2026/07/11 - 1:46 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 4:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 308 الشهر 10955 الكلي 15916082
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير