الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شيخوخة الناتو

بواسطة azzaman

شيخوخة الناتو

محمد وهاب عبود

 

 

muhamedaboud19@gmail.com

تحمل قمة حلف الناتو من المفارقات ما يكفي لكتابة مئات الصفحات عن تناقضات التحالف العسكري الأعرق في العالم الحديث، حيث انطلقت في العاصمة التركية أنقرة فعاليات النسخة السادسة والثلاثين من قمة حلف شمال الأطلسي،. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يصل إلى أنقرة، معلناً أنه ما كان ليحضر القمة لولا طلب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إشارة لا تخفي أن التحالف الذي تشكل لمواجهة الاتحاد السوفيتي بات اليوم مجرد ساحة للمساومات الشخصية والصفقات التي تبرم في الغرف المغلقة.

الحلف الذي ولد في ظل الحرب الباردة لمواجهة كتلة شيوعية لم تعد موجودة، تحول بعد سقوط جدار برلين إلى أداة بيد واشنطن لإعادة ترتيب المشهد العالمي وفق رؤيتها. فقد رفع الناتو شعار مكافحة الإرهاب، متناسياً أن ذلك الإرهاب تغذى لعقود من مخلفات الاستعمار وسياسات "فرق تسد" التي طبقتها دوله الأعضاء ذاتها في منطقة تطفو فوق كنز نفطي وبحر من الغاز. فلم يكن الإرهاب وليد الفراغ، بل نتاج أجندات استخباراتية حيكت بدقة لإبقاء العرب والمنطقة في حلبة صراع مفتوحة الجولات، هدفها الأوحد ضمان بقاء التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

غير أن ما يثير القلق هو إصرار إدارة ترامب على استمرار هذا الحلف، ليس بدافع القناعة بجدواه، وإنما لاستخدامه كآلة لابتزاز أوروبا. فمن خلال الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن خلال التلويح بسحب القوات الأميركية من القارة العجوز، تدفع واشنطن أوروبا نحو مواجهة طاحنة مع روسيا، بغية إضعاف الطرفين معاً وخروج أميركا من المعادلة كمنتصر وحيد.

والسؤال لماذا لا تفلت أوروبا من هذا الفخ؟ الإجابة تكمن في تركيبية الحلف نفسه. فهذه الدول الأوروبية ذات الإرث الاستعماري الثقيل، دول مصنعة للسلاح ومطورة له واقتصاداتها لا تزدهر من دون حروب وصفقات أسلحة تضخ مليارات الدولارات في خزائنها، فالصناعة العسكرية الأوروبية التي يعمل بها ملايين العمال تحتاج إلى صراعات دائمة كي لا يصدأ الحديد وتتوقف عجلة التمويل. وهنا تكمن المفارقة، فالناتو يمكن وصفه بكائن طفيلي يعيش ويتكاثر على مأساة الآخرين. فلعقود طويلة شهدت أميركا وأوروبا الغربية نمواً وازدهاراً، فيما غرق العالم في مستنقعات من الصراعات الدموية التي كان هذا الحلف المحرك الرئيسي لها.

أما سجل الناتو التاريخي فيتحدث عن نفسه بأرقام لا تحتمل التأويل. ففي أفغانستان قُتل نحو 3,500 جندي من قوات التحالف خلال عقدين من الحرب، بينما تجاوز عدد الضحايا المدنيين الأفغان 70 ألفاً. وفي يوغوسلافيا السابقة تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 3,500 و4,000 شخص ثلثاهم من المدنيين خلال حملة القصف التي استمرت 78 يوماً أما في ليبيا فأسفر تدخل الناتو عام 2011 عن مقتل 72 مدنياً على الأقل، مع أرقام غير مؤكدة تتحدث عن مئات الضحايا، ناهيك عن تدمير البنى التحتية وتشريد آلاف المدنيين الذين ما زالوا يعانون من ويلات ذلك التدخل حتى اليوم، وفي البوسنة راح ضحايا الحرب أكثر من 38,200 مدني، في جروح لم تندمل بعد في ضمير أوروبا.

أوروبا الغربية تدرك تمام الإدراك الرغبة الأميركية في إحراقها أو إذلالها، لكنها تفتقر إلى المقومات الكافية للتصدي. إنها تخشى الرد الأميركي في حال توجهت بوصلتها نحو الشرق، نحو الصين الصاعدة التي تقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية. وهكذا تظل أوروبا معلقة بين مطرقة الهيمنة الأميركية وسندان الخيارات البديلة تدفع ثمناً باهظاً لبقائها في حلف أصبح في نظر كثير من المراقبين مجرد عبء تاريخي ثقيل.

فالناتو الذي تأسس لمحاربة شبح الحرب الباردة تحول تدريجياً إلى وحش يلتهم كل ما يعترض طريقه، من شعوب إلى دول إلى قيم ومبادئ. وفي أنقرة يجتمع قادة هذا الحلف وكأنهم في حفلة تنكرية، يتنكرون بثياب السلام ويتحدثون عن الدفاع وهم يمارسون الهجوم باسم "حقوق الإنسان" التي انتهكوها في أكثر من بقعة من بقاع الأرض.

ربما يكون السؤال اليوم ليس عن مستقبل الناتو، بل عن مستقبل العالم الذي يترك أمره لمثل هذه التحالفات وتنفذ أجندات لا ترى في الشعوب سوى أرقاماً في جداول الخسائر. فكما قال المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: "الحضارات تموت من الانتحار لا من القتل". وإذا كان الناتو يصر على استمراره رغم انتهاء صلاحيته التاريخية، فإنه قد يكون أحد عوامل انتحار الحضارة الغربية نفسها، في مشهد يذكرنا بأن من يعيش على الماضي محكوم عليه أن يفقد المستقبل.


مشاهدات 43
الكاتب محمد وهاب عبود
أضيف 2026/07/11 - 2:21 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 4:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 268 الشهر 10915 الكلي 15916042
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير