نون النهر
كامل عبدالرحيم
أثار انتباهي دجلة، فهو في أعلى مناسيبه، ولم أره سابقاً بهذا العلو والجريان النشوان منذ عقود، حتى خُيّل لي أنه يناديني. فأبطأت خببي، وتثاقل خطوي، وملت نحوه، فأمسكت بحديد الجسر بلونه الأخضر المتسخ، كشباك لإمام منسي على طريق مهجور.
تجردت للحظات من المكان. كنت وحيداً بشكل مطلق، وتواطأ كل شيء مع وحدتي. اختفى العابرون، وخلا الجسر من سياراته، أو هكذا خُيّل لي.
لم يجذب انتباهي لون النهر الطيني، بل أنوثته. نعم، أنوثته. لا أدري، هل تسبق الفكرة الصورة أم العكس؟ وهل الفكرة موجودة في لا وعينا، أم هي منتوج القراءة أو السماع؟
دجلة أنثى، وكانت هذه الأنثى تناديني. وفيما أتفحص أنوثة النهر، تذكرت أني قبل أيام قرأت في كتاب (صلاح نيازي) «غصن مطعم بشجرة غريبة»، أنه يقول بفحولة الفرات وأنوثة دجلة.
وقفت متأملاً لحم النهر وهو يفيض خارج جرفه وضفتيه، فبدرت منه أو (منها) حركة. كان النهر، أو كانت دجلة، في لحظة ما تقوم بردة فعل مغناج كامرأة تخرج من الحمام بلباس داخلي تحاول ستر مفاتنها، فاندلق نهداها من انحسار الثوب، فهبت، مثل سعفات نخلة في مهب الريح، بإرجاع النهدين كعصفورين مبللين إلى قفصهما.
كانت الحركة سريعة كومضة، لكني أمسكتها للأبد، وسيظل النهر يبتسم لي في الخفاء كلما مررت قربه، متواطئين على هذا السر. النهر أنثى، ولها نهدان ثائران، وربما لن يظهرا أو يتفجرا أو يغمزا لغيري. لا أدري، هل غاص القفص في القاع أم طار العصفوران للأبد؟
قبلها، كنت أدندن أغنية حسين نعمة (بين عليه الكبر)، وقبلها كنت في سيارة أجرة أراد سائقها مجاملتي، فأدار مسجلة سيارته الليزرية، وارتفع صوت حسين نعمة، وكان متعباً هذه المرة (بين عليه الكبر).
سألني السائق: هل مات حسين نعمة يا عماه؟ ضحكت عالياً نافياً موته. قبلها سألني السائق عن الذي فعلته (آلاء حسين).
في الواقع، سألني السائق كثيراً، لكني تهربت برشاقة من حراجة الأجوبة، والتي يفطن إليها السائق أكثر من معرفته أسئلته. رشاقة قد تشبه خفة دجلة بإخفاء مفاتنه عن العابرين.
كان يسأل ويبرر قائلاً: الناس تداري خبزتها يا عمي، وهذا ما تفعله آلاء وما فعله قبلها أبو علي، أليس كذلك يا عمي؟
أجرته خمسة آلاف. أخرجت من محفظتي ورقة خمسة آلاف وأخرى أم الألف. قلت له: هذه الزرقاء كروتك، والأخرى لخاطر حسين نعمة.
عندما أكملت عبور الجسر، تذكرت أن لون النهر هذا اليوم بلون الورقة النقدية بالألف دينار. تذكرت أيضاً أن كل شيء على الجسر يباع بأقل من ألف دينار: بطل الماء، واستخدام مقياس الوزن والطول، والشاي والعصير، وكل شيء، حتى المسبحة الصينية بألف.
انتقل بصري بعيداً للزوارق المستأجرة لعبور النهر من هذه الضفة لتلك. أجرة العبور يا حسين نعمة أيضاً بألف. لكني اليوم اشتريت أغنيتك بألف دينار، فمن حقي غناؤها ودندنتها ما دام دجلة يجري، وما دام يخفي نون أنوثته عن غيري.
حافظت على النص وروحه وصوره الأدبية، واقتصرت على تنسيق الفقرات، وعلامات الترقيم، وتصحيح الأخطاء الإملائية واللغوية الظاهرة، من دون إعادة صياغة المضمون.