الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تهديد إستقرار المراكز القانونية للأسرة

← بواسطة azzaman

تهديد إستقرار المراكز القانونية للأسرة

أحمد فاتح محمد

 

تستند العدالة القضائية في الدولة الدستورية إلى وحدة الاختصاص واستقرار القواعد الحاكمة، وهو ما كرسته المادة الرابعة عشرة من الدستور العراقي النافذ بكفالة مساواة المواطنين أمام القانون دون تمييز. وحين شرع المشرع قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، أرسى في مادته الأولى مبدأ استلهام الأحكام الشرعية الجامعة دون حصرها بمذهب بعينه، ترسيخاً لولاية القضاء العام المنصوص عليها في المادة الحادية عشرة من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979. غير أن المساعي الرامية لإقحام مدونات فقهية فرعية متعددة تصادر هذا المبدأ، وتؤسس لازدواجية قضائية تمزق استقرار المراكز القانونية للأسرة. إن محاولة الارتكاز الانتقائي على المادة الحادية والأربعين من الدستور، بمعزل عن المادة التاسعة والعشرين التي تُلزم الدولة بحماية كيان الأسرة ورعاية الأمومة والطفولة، تشكل انحرافاً تشريعياً خطيراً. فالقضاء المدني لا يمكن أن يُختزل في جهة توثيق لمدونات تفتقر لضوابط الصياغة التشريعية المقرة دستورياً. وتتجلى خطورة التفكيك في إسقاط الضمانات الآمرة الواردة في المادتين السابعة والثامنة من القانون رقم 188، اللتين حددتا سن أهلية الزواج وحظرتا تزويج القاصرات إلا بإذن قضائي مقيد بضرورة قصوى. كما أن الإخلال بأحكام المادة العاشرة التي تشترط تسجيل العقد رسمياً في محكمة الأحوال الشخصية، يشرعن الزيجات العرفية خارج المؤسسة الرسمية، ما يهدر حقوق الزوجة في المهر والنفقة وإثبات نسب الأبناء. يضاف إلى ذلك تجريد القاضي من سلطته التقديرية المنصوص عليها في المادة السابعة والخمسين الخاصة بحضانة الطفل، والتي جعلت مصلحة المحضون المعيار الحاكم المطلق، مستبدلة إياها بمعايير مذهبية جامدة تلحق أبلغ الأذى بنفسية الصغير وحقوق والدته. إن مبدأ استقلال القضاء المكفول بالمادتين السابعة والثمانين والثامنة والثمانين من الدستور، والمادة الثلاثين من قانون التنظيم القضائي التي تحظر الامتناع عن الفصل في النزاع، يتعرض لانتكاسة حقيقية حين يتحول القاضي إلى مجرد منفذ لآراء هيئات خارجية لا تخضع لسلطة مجلس القضاء الأعلى. كما أن المادة المائة والثلاثين من الدستور صريحة في بقاء التشريعات النافذة سارية المفعول ما لم تُلغَ بقانون صادر وفق الأصول التشريعية، وهو ما يصطدم به أي تفويض لنصوص مذهبية غير مقننة تمس جوهر النظام العام.

إننا نؤكد من منطلق المسؤولية القضائية والوطنية، أن المساس بوحدة التشريع لا يخدم أي مذهب، بل يهدد الأمن القانوني لعموم المجتمع العراقي. فالأسرة قلعة التماسك الاجتماعي، وتحصينها يقتضي البقاء تحت خيمة قانون مدني جامع، يرعى مبادئ الشريعة الغراء المتفق عليها دون تمزيق النسيج الوطني. وعليه، يغدو واجب البرلمان والمؤسسات الحقوقية التمسك بالقانون الموحد، وعدم تعريض مكتسبات المرأة وحماية الطفولة للمزايدات، لأن تفتيت العدالة يفتح ثغرة لن تُسد في جدار الدولة، فالقانون العادل المتساوي بين الجميع هو الحصن الوحيد لكرامة الإنسان وبقاء الوطن موحداً مستقراً في وجه كل العواصف والرهانات السياسية.

 


مشاهدات 116
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/10/31 - 1:49 AM
آخر تحديث 2026/11/01 - 4:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 475 الشهر 475 الكلي 16651009
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير