صادرات النفط العراقية تحت الضغط… أزمة المسارات أم أزمة التخطيط؟
ضياء واجد المهندس
لم تعد الأزمات المتلاحقة التي تواجه صادرات النفط العراقية مجرد أحداث طارئة ناجمة عن اضطرابات مضيق هرمز أو توقف التصدير إلى الأردن، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية مصدر دخلها الرئيس. فالعراق الذي يعتمد على النفط في تمويل موازنته العامة، ما زال يواجه مخاطر كبيرة بسبب محدودية منافذ التصدير، وضعف البدائل الجاهزة، وتأخر بناء منظومة متكاملة للنقل والتسويق النفطي.
أولاً: أزمات متكررة تكشف خللاً هيكلياً
يمثل مضيق هرمز ممراً استراتيجياً لصادرات العراق النفطية من الموانئ الجنوبية، ولذلك فإن أي اضطراب أمني أو عسكري فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على قدرة العراق على تصدير النفط، وعلى إيراداته المالية واستقرار موازنته.
أما توقف التصدير إلى الأردن، فيكشف جانباً آخر من المشكلة، يتعلق بمحدودية المسارات البديلة وقدرتها الفعلية على تعويض الكميات التي يمكن أن تتعطل في المنافذ الرئيسة. فالتصدير البري إلى الأردن، مهما كانت أهميته السياسية والاقتصادية، لا يستطيع وحده تعويض صادرات العراق البحرية الضخمة.
وهنا تكمن المفارقة: العراق من كبار منتجي النفط، لكنه لا يمتلك حتى الآن شبكة تصدير مرنة تتيح له التعامل مع الأزمات من دون تعريض إيراداته لمخاطر كبيرة.
إن تكرار هذه الأزمات يفرض سؤالاً جوهرياً: لماذا بقي أمن الصادرات النفطية مرتبطاً بممرات محدودة، رغم أن اعتماد الدولة على النفط معروف منذ عقود؟ المشكلة ليست في الأزمات وحدها، بل في غياب الاستعداد الكافي لمواجهتها.
ثانياً: الاعتماد على منفذ واحد تقريباً… نقطة الضعف الكبرى
تكشف الأرقام حجم الاختلال في منظومة التصدير. وفق بيانات شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، بلغت صادرات العراق في كانون الثاني 2026 نحو 107.6 ملايين برميل، منها 101.2 مليون برميل من موانئ البصرة، أي قرابة 94% من إجمالي الصادرات المسجلة لذلك الشهر. وهذا التركّز يجعل أي تعطّل في الجنوب خطراً مباشراً على الإيرادات الوطنية.
وقد أظهرت أزمة مضيق هرمز منذ شباط 2026 خطورة هذا الاعتماد؛ إذ انخفضت الصادرات بصورة حادة، واضطر العراق إلى تفعيل مسارات الشمال عبر خط كركوك–جيهان، في محاولة لتعويض جزء من الكميات المتعذرة.
لكن خط جيهان ليس حلاً سحرياً؛ لأن طاقته التشغيلية، وتوافر النفط في الحقول الشمالية، والاتفاقات مع تركيا، ومتطلبات ضخ النفط ونقله، كلها عوامل تحدد مقدار ما يمكن تصديره فعلياً. كما أن مرور الصادرات عبر دولة أخرى يضيف اعتبارات سياسية وتعاقدية إلى الحسابات الاقتصادية.
أما التصدير إلى الأردن بالصهاريج، فهو منفذ محدود نسبياً، ولا يمكن مقارنته من حيث الحجم والكلفة بالأنابيب والموانئ البحرية. وبالتالي، فإن توقفه، متى وقع، يضيف ضغطاً على خيارات التصدير، لكنه لا يعالج أصل المشكلة ولا يفسر وحده أزمة الصادرات العراقية.
إن الخلل الهيكلي يتمثل في عدم امتلاك العراق بدائل متكاملة، جاهزة وقادرة على العمل بكميات كبيرة عند تعطل المسار الرئيس، فضلاً عن تأخر الاستثمارات في خطوط الأنابيب والخزانات ومحطات الضخ والبنية التحتية المساندة.
ثالثاً: ما الخيارات المتاحة أمام العراق؟
لا يحتاج العراق إلى إعلان مشروعات جديدة فحسب، بل إلى خطة وطنية لأمن الصادرات النفطية، تتضمن مسارات واضحة ومواعيد تنفيذ وتمويلاً محدداً.
1. إعادة تأهيل وتوسيع خط كركوك–جيهان
يمثل هذا الخط الخيار الأكثر أهمية لتخفيف الاعتماد على الخليج، لأنه يمنح العراق منفذاً إلى البحر المتوسط. والمطلوب رفع كفاءته التشغيلية، وتأمين الإمدادات من الحقول الشمالية، وتسوية الجوانب التعاقدية مع تركيا، مع ضمان خضوع الكميات المصدرة للتسويق الاتحادي والشفافية المالية.
2. إنشاء خط تصدير عبر سوريا إلى البحر المتوسط
يمكن أن يوفر مشروع خط كركوك–بانياس منفذاً استراتيجياً إضافياً، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة واتفاقات سياسية وأمنية ودراسات فنية ومالية دقيقة. وتشير تقديرات منشورة في آب 2026 إلى أن إنجازه قد يستغرق نحو أربع سنوات، بكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار. لذلك لا يجوز التعامل معه بوصفه حلاً فورياً للأزمة، بل مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد يجب إخضاعه لدراسة الجدوى والحوكمة و التمويل .
3. دراسة مشروع خط البصرة–العقبة
يمكن لهذا المشروع، إذا ثبتت جدواه الفنية والاقتصادية، أن يربط النفط العراقي بميناء العقبة على البحر الأحمر، ويوفر منفذاً إضافياً للأسواق العالمية. لكنه يحتاج إلى تقدير واقعي للكلفة الرأسمالية، وكلفة النقل لكل برميل، والطاقة الاستيعابية، والمخاطر الأمنية والسياسية، فضلاً عن ضمانات التسويق والتشغيل. ولا ينبغي أن يتحول إلى مشروع سياسي مكلف قبل إثبات جدواه.
4. زيادة قدرات التخزين والتصدير البحري
إن إنشاء خزانات استراتيجية إضافية، وتطوير مرافق التحميل والضخ، وتحسين إدارة المخزون والناقلات، يمنح العراق مرونة أكبر في مواجهة الاضطرابات. كما ينبغي إعداد خطط طوارئ تتيح تغيير جداول التحميل والتسليم، والاستفادة من الطاقة التخزينية المتاحة، وتقليل الخسائر الناجمة عن توقف الشحن.
5. تنويع الأسواق والعقود
لا يكفي أن يصل النفط إلى منافذ مختلفة؛ بل يجب تنويع المشترين والعقود وشروط التسليم، مع تجنب الالتزامات التي يصعب تنفيذها عند حدوث اضطرابات. فتنويع الأسواق لا يغني عن تنويع المسارات، لكنه يحد من المخاطر التجارية ويزيد قدرة
العراق على التفاوض.
6. بناء إدارة وطنية لمخاطر التصدير
ينبغي تشكيل فريق وطني دائم يضم وزارات النفط والنقل والمالية والخارجية والجهات الأمنية، تكون مهمته مراقبة مخاطر الملاحة، وإعداد سيناريوهات لتعطل المسارات، وتحديد البدائل الممكنة وكلفها، ونشر تقارير دورية عن الجاهزية الفعلية لكل منفذ.
رابعاً: هل يمتلك العراق القدرة على التنويع؟
نعم، يمتلك العراق الموارد النفطية والموقع الجغرافي والإمكانات اللازمة لتطوير شبكة تصدير أكثر تنوعاً، لكنه لا يمتلك حتى الآن جميع البدائل
المطلوبة بالقدرات التي تسمح لها بتعويض توقف الصادرات الجنوبية بالكامل.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور: وجود مشروع على الورق، واكتمال بنيته التحتية، وقدرته الفعلية على نقل ملايين البراميل يومياً بصورة مستدامة. فهذه مراحل مختلفة، ولا يجوز احتساب الطاقة المقترحة لأي مشروع ضمن قدرات العراق الحالية قبل إنجازه وتشغيله واختباره.
كما أن تنويع المسارات لا يعني التخلص من المخاطر؛ فالأنابيب العابرة للحدود تخضع لاتفاقات سياسية وأمنية، والموانئ البديلة قد تتعرض لاضطرابات، والمشروعات الكبرى تحتاج إلى سنوات وتمويل ضخم. لذلك
يجب توزيع المخاطر بدلاً من استبدال اعتماد واحد باعتماد آخر.
والأهم أن يكون لكل مشروع جدول زمني معلن، وكلفة تقديرية مستقلة، وطاقة تصديرية مستهدفة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع رقابة مالية وفنية تمنع تحول مشروعات الأمن الاقتصادي إلى أبواب جديدة للهدر والفساد.
الخلاصة: النفط موجود، لكن أمن تصديره ليس مضموناً
إن الأزمات المتلاحقة التي تواجه صادرات النفط العراقية ليست مجرد انعكاس لاضطرابات إقليمية؛ إنها إنذار واضح بأن أمن الاقتصاد العراقي لا يمكن أن يبقى رهينة منفذ محدود أو ممر بحري واحد.
لقد أثبتت الأزمات أن زيادة إنتاج النفط لا تكفي إذا لم تتوافر القدرة على نقله وتصديره في الظروف الاستثنائية. كما أن الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية يجعل أي تعطّل في التصدير أزمة مالية تمس الرواتب والاستثمار والخدمات واستقرار الموازنة.
المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة التخطيط الاستراتيجي: تأهيل خط الشمال، ودراسة المسارات الغربية والجنوبية، وتوسيع التخزين، وتحسين إدارة العقود، وبناء احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات.
إن أمن النفط العراقي لا يبدأ من باطن الأرض، بل من امتلاك الدولة القدرة على إيصال كل برميل إلى السوق، مهما تبدلت الظروف. وإذا لم يتحول تنويع منافذ التصدير إلى أولوية وطنية ممولة ومحددة المواعيد، فستظل كل أزمة إقليمية اختباراً جديداً لاقتصاد يعتمد على النفط، لكنه لم يؤمّن بعد الطريق الآمن لوصوله إلى العالم.
** رئيس مجلس الخبراء العراقي