السيادة العراقية بين إكتمالها القانوني و تحدياتها الواقعية..!!
حيدر جاسب البهادلي
تكتسب السيادة العراقية أهمية خاصة في هذه المرحلة ، ولا سيما مع إتمام انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 30 أيلول/ سبتمبر 2026 ، وهو تطور يفتح الدولي ، لا تختزل بوجود القوات الأجنبية أو إنسحابها ، و إنما هي منظومة متكاملة ، تشمل الإستقلال السياسي و السيطرة على الإقليم ، و القدرة على إدارية الموارد و الثروات ، و حماية المجالين الجوي و البحري ، و ضمان الحقوق المائية للدولة .
و يقوم مفهوم السيادة في القانون الدولي على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول ، الذي كرسته المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة ..!!
إلى جانب أحترام الإستقلال السياسي و السلامة الإقليمية ، و عدم التدخل في الشؤون الداخلية .
ومن ثم فإن الدولة ذات السيادة هي التي تملك من الناحية القانونية ، حرية إتخاذ قراراتها الوطنية و إدارة شؤونها الداخلية و الخارجية ، بعيداً عن الإكراه أو التبعية الخارجية ..!!
ومن هذه الزاوية .. يمكن النظر إلى إنتهاء الوجود العسكري الأمريكي ، بوصفه خطوة ذات أنعكاسات إيجابية محتملة ، على ممارسة العراق لإختصاصاته الأمنية و العسكرية بصورة أكبر ، وعلى تعزيز مسؤولية مؤسساته الوطنية في حماية أراضيه َ.
إلا أن إكتمال السيادة لا يقاس بالوجود العسكري وحده ، بل بمدى قدرة الدولة على ممارسة إرادتها المستقلة في مختلف المجالات .
فالسيادة السياسية تعني أن يكون القرار الوطني ، نابعاً من المؤسسات الدستورية للدولة ، و أن تكون علاقاتها الخارجية قائمة على المصلحة الوطنية و الإلتزامات الدولية ، من دون تدخل أو إملاء من دولة أخرى..؟؟
و لذلك فإن إستقلال القرار السياسي يمثل أحد أهم مظاهر السيادة ، إلى جانب قدرة الدولة على رسم سياستها الخارجية و الأمنية و الإقتصادية ، وفقاً لدستورها و قوانينها..!!
أما السيادة الإقتصادية..فتضل أمام العراق تحدياً أكثر تعقيداً..فإيرادات النفط التي تشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة ، ما زالت تُدار دولياً عبر حساب البنك المركزي العراقي ، لدى البنك الإحتياطي الفدرالي في نيويورك .
ولا يعني ذلك من الناحية القانونية ، إنتقال ملكية النفط العراقي إلى الولايات المتحدة ، إلا أن إستمرار إرتباط الإيرادات النفطية بالنظام المالي الأمريكي ، يمنح هذا الجانب بعداً مهماً في النقاش حول الإستقلال الإقتصادي ، و القدرة الفعلية على إدارة الموارد الوطنية .
و من هنا فإن إكتمال السيادة الإقتصادية يتطلب تعزيز المؤسسات المالية العراقية ، و تنويع الإقتصاد و تقليل الإعتماد على قنوات مالية خارجية قدر الإمكان..!!
و تبرز السيادة على المجال الجوي بوصفها أحد الإختبارات العملية للسيادة الإقليمية ، فالقانون الدولي للطيران المدني ، يقر للدولة بالسيادة الكاملة و الحصرية على المجال الجوي فوق إقليمها..!!
لكن ممارسة هذه السيادة تحتاج إلى قدرات تقنية و عسكرية ، قادرة على الرصد و الكشف و الإستجابة..!!
و يحتاج العراق في هذا المجال ، إلى منظومة متكاملة من رادارات المراقبة الجوية بعيدة المدى و ثلاثية الأبعاد ، و مراكز القيادة و السيطرة و أنظمة الدفاع الجوي و الصواريخ الٱعتراضية ، بما يتيح كشف الأهداف الجوية و تتبعها التعامل معها وفق القانون ..!!
و قد أتجه العراق فعلاً خلال السنوات الأخيرة إلى تحديث منظومة دفاعه الجوي ، مع الإعلان عن تعاقدات جديدة ، إلا أن بناء قدرة وطنية متكاملة على حماية الأجواء يحتاج إلى إستكمال هذه المنظومات و ربطها ضمن شبكة وطنية موحدة .
فامتلاك السيادة القانونية على المجال الجوي شيء ، و القدرة التقنية على حمايته من الإختراق شيء آخر..؟؟
و في المجال البحري .. فإن سيادة العراق على مياهه الإقليمية تمارس في إطار قواعد القانون الدولي للبحار ، و الإتفاقات و الحدود الدولية النافذة .
و قد حسم مجلس الأمن بموجب القرار 833 لعام 1993، أعمال ترسيم الحدود العراقية–الكويتية ، بما في ذلك القطاع البحري ، مع التأكيد على إحترام الحدود الدولية المرسومة ، و حق الملاحة وفق القانون الدولي .
و لذلك فإن حماية المصالح العراقية في الخليج العربي ، تتطلب التعامل مع الحدود البحرية ، بإعتبارها مسألة قانونية ، و سيادية تُدار بالوسائل الدبلوماسية و القانونية ، بعيداً عن أي إجراءات أحادية تخالف الإلتزامات الدولية..!!
أما السيادة المائية .. فهي من أكثر صور السيادة تعقيداً بالنسبة للعراق ، لأن نهري دجلة و الفرات يرتبطان بدول متشاطئة ، وفي مقدمتها تركيا و سوريا..؟؟
ولا يمكن للقانون الدولي أن يمنح دولة المنبع حرية مطلقة ، في إستخدام المياه المشتركة ، كما لا يعني كون العراق دولة مصب ، أنه يملك حقاً مطلقاً في كمية ثابتة من المياه دون مراعاة حقوق الدول الأخرى .
و إنما تقوم القواعد الدولية الحديثة على مبادئ الإستخدام المنصف و المعقول ، و عدم إحداث ضرر ذي شأن ، و التعاون و تبادل المعلومات و التشاور بين الدول المتشاطئة .
و قد شهد الملف العراقي–التركي تطورات مهمة ، من بينها إتفاق إطار التعاون في مجال المياه الموقع عام 2024 ، ثم آلية تنفيذية في عام 2025 ، تضمنت التعاون في مشاريع إدارة المياه ، و تحسين نوعيتها و ترشيد إستخدامها ..!!
كما أن العراق و سوريا لديهما إطار قانوني سابق يتعلق بتقسيم مياه الفرات ، إلا أن التحدي الأكبر ما زال يتمثل في الوصول إلى ترتيبات أكثر شمولاً و إستقراراً ، تجمع الدول المتشاطئة و تحدد بصورة أكثر وضوحاً ، قواعد الأنتفاع المستدام من مياه دجلة و الفرات..!!
ومن ثم..فإن السيادة العراقية في القرن الحادي و العشرين ، لا ينبغي أن تُفهم بأعتبارها شعاراً سياسياً ، و إنما بإعتبارها قدرة قانونية و مؤسسية و تقنية و إقتصادية..!!
فالدولة تكون أكثر سيادة عندما يكون قرارها السياسي مستقبلاً ، و إقتصادها قادراً على إدارة موارده ، و أجواؤها قابلة للرصد و الحماية ، و حدودها البرية و البحرية مصانة بالقانون ، و مصالحها المائية مدعومة بإتفاقات عادلة و فعالة ..؟؟
إن إنسحاب القوات الأمريكية يمثل محطة مهمة ، في مسار السيادة العراقية ، لكنه ليس نهاية الطريق.. فالسيادة الكاملة لا تكتمل بمجرد مغادرة القوات الأجنبية ، و إنما تكتمل عندما يمتلك العراق القدرة الوطنية على حماية قراره و إقليمه و موارده ، و عندما تتحول قواعد القانون الدولي من نصوص مجردة إلى أدوات فاعلة لحماية المصالح العراقية .
فالسيادة ليست فقط أن يغادر الآخرون أرضنا ، بل أن نمتلك نحن القدرة على إدارة أرضنا و قرارنا و مواردنا و حماية حقوقنا وفق القانون ..!!