الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رماد القلب بين احتراق الحروف وتيه العاشق لامين جياد


رماد القلب بين احتراق الحروف وتيه العاشق لامين جياد

سعد دسوقي

 

ينسج أمين جياد في نصه «رماد القلب» تجربة وجدانية تتجاوز التعبير المباشر عن الحب إلى استكشاف تحولات القلب حين يصبح العشق قوة تعيد تشكيل الذات واللغة والوجود. فالعنوان ينهض على مفارقة دلالية لافتة؛ إذ يجمع بين القلب، بوصفه مركز الحياة والشعور، والرماد، بوصفه أثر الاحتراق وما يتبقى بعد انطفاء اللهب، ليغدو النص مساحة تتجاور فيها حرارة العاطفة مع بقايا الفقد. ويستهل الشاعر نصه بصورة مبتكرة: «تتقوس الحروف خجلة من عين»، فيمنح الحروف هيئة كائن حي يستحي من النظرة، ثم يجعل نقاطها الحارة تسقط بين الأصابع فتحرقها؛ وهنا تتجسد الكتابة فعلًا جسديًا، فلا تعود الكلمات ناقلًا للمشاعر فحسب، بل تصبح أثرًا ماديًا لألم الغياب. وفي قوله: «قلبي هام وترك أوراقه فأخذته الريح إليك» تتداخل دلالات القلب والأوراق والريح في صورة توحي بتجرد العاشق من ثباته، وانقياده لقوة الشوق. ثم تتسع المفارقة في قوله: «قلبك من زمرد وقلبي رمل منتشر على الضفاف»، حيث يقابل صلابة الجوهرة ونفاستها بتشتت الرمل وهشاشته، فيكشف تفاوتًا وجدانيًا بين ذات تبدو متماسكة وأخرى فقدت وحدتها. وتأتي عبارة «قلب غرق بكت شمس» مكثفة وغامضة، لكنها تفتح أفقًا تأويليًا يجعل الطبيعة شريكة في الحزن، وكأن الفقد تجاوز حدود الإنسان إلى الكون. أما «قلب شيعه العشق ولم أبك وقلبي تركني، فأراني أطير» فتقوم على مفارقة تجمع بين التشييع والتحليق، وبين الفقد والتحرر، فيتحول الألم إلى حالة انفصال عن الذات القديمة. ويبلغ التوتر ذروته حين يدعو كل طرف الآخر إلى قلبه، «فتحيرا في الوصول»، إذ يصبح الحب رغبة في الاتحاد تعوقها المسافة الداخلية بين المحبين. وتتكرر رمزية الطيران والطيور والأقمار لتمنح الروح حركة تتجاوز حدود الجسد، بينما تبرز صورة القلب الذي يُترك ليتشظى بوصفها تعبيرًا عن بلوغ التجربة العاطفية أقصى درجات الانقسام. وفي قوله: «الغياب عمن تحبه وجود ثابت كدوران قمر» يعيد الشاعر تعريف الغياب، فلا يجعله نقيضًا للحضور، بل حضورًا مستمرًا في الوعي والوجدان. ويختتم بصور تتداخل فيها الماسة والليل والمحراب والرماد والعيون والصلاة، فتتخذ المحبوبة هيئة مقدسة، ويغدو الحب طقسًا روحيًا تتجاور فيه القداسة والانكسار. وهكذا يتأسس النص على الصورة الرمزية والمفارقة والتكثيف، وتتحول أجزاؤه إلى شذرات شعورية تجمعها وحدة القلب المتقلب بين التعلق شوالتبعثر والبحث عن اكتمال مستحيل.

 تكمن قوة النص في أن أمين جياد لا يقدم العاطفة في صورة تقريرية مألوفة، بل يحررها من التعبير التقليدي، ويمنحها لغة تنبض بالمجاز والانزياح، كما في «تتقوس الحروف خجلة» و«قلبي رمل منتشر على الضفاف»، وهما صورتان تمنحان التجربة خصوصيتها وتفتحان المجال أمام تعدد القراءة. ويحسب للشاعر أيضًا قدرته على بناء المفارقات؛ فالقلب الذي يشيعه العشق لا ينتهي إلى السكون، بل يطير، والغياب لا يمحو المحبوب، بل يثبته في الوجدان. غير أن هذا الثراء التصويري يحتاج أحيانًا إلى مزيد من الضبط الداخلي؛ فبعض العبارات، مثل «قلب غرق بكت شمس» و«وزمردة من ياقوت»، تتزاحم فيها الدلالات أو تتداخل العلاقات بين الصور، بما يجعل الانتقال من صورة إلى أخرى محتاجًا إلى قرينة أوضح تحفظ الغموض الشعري دون أن تعزل المتلقي عن التجربة. كما أن تفاوت الضمائر بين المذكر والمؤنث في مخاطبة المحبوب يثير سؤالًا حول ما إذا كان مقصودًا لتوسيع أفق الخطاب أم ناتجًا عن عدم استقرار في الصياغة، وهو ما يستحق المراجعة. ولا ينتقص ذلك من القيمة الجمالية للنص، بل يشير إلى أن موهبة الشاعر تصبح أكثر إشراقًا حين تتوازن حرية الصورة مع إحكام العبارة. إن أمين جياد يمتلك حسًا شعريًا واضحًا، ومخيلة تميل إلى ابتكار العلاقات غير المألوفة بين الأشياء، وقدرة على تحويل القلب من عضو عاطفي إلى عالم كامل من الرموز والتحولات. و«رماد القلب» تجربة تستحق التقدير لما تحمله من جرأة تصويرية وصدق وجداني، وما تتركه في القارئ من أسئلة عن الحب والغياب والتفتت، وهي خصائص تؤكد أن الشاعر لا يكتفي بوصف الشعور، بل يسعى إلى اكتشاف لغته الخفية.).

 

*(النص) _رماد القلب _

 

1.تَتَقَوَّسُ الحروفُ خَجِلَةً مِنْ عَيْنٍ ، وَتسقطُ نقاطَها الحارَّةَ بَيْنَ الأصابِعِ ، فَتُحْرِقُها بِغيابي حروفُ القلب.

2.قَلْبي هَامَ  وَتَرَكَ أوْراقَهُ فَأَخَذَتْهُ الرِّيحُ إليكْ.  

 3.قَلْبُكِ مِنْ زُمَرَّدٍ وقَلْبي رَمْلٌ مُنْتَشِرٌ على الضِّفافْ

 4.قَلْب غَرِق بَكتِ شّمس

  5.قَلْبٌ شَيَّعَهُ العِشْقُ ولَمْ أبْكِ وقَلْبي تَرَكني، فَأَراني أَطير .

6.أَدْعوكِ إلى قَلْبي وَتَدْعوني إلى قَلْبِكَ، فَتَحَيَّرا في الوصول .

7.أنتَ مقياسي للعشقِ والموتِ ، فأدورُ راقصاً حوْلَ قلبي ، لأنكَ فيه .

 8.روحي تُرْسلُ إليكِ طَيْرَها ليَحطُّ على َقلْبِك .

9.قلْبُكَ أضعتهُ  في جَسَدٍ وروْحٍ،.... دَعهُ يَتَشَظَّى .

 10.سَأقْطفُ إسْمَ النّجومِ وأرْسمُها  شَفةً وعيناً، وأكونُ الأَقْمار.

11.الغيابُ عَمَّنْ تُحبّهُ وجودٌ ثابتٌ كدورانِ قمر .

 12.ظلّكِ ماسةُ ليلٍ أرى فيها ظِلالي ومحرابُكِ رماد ٌمن ناصيَتي، وعيونُكِ صَلاةٌ، وزمردةٌ مِنْ ياقوت.


مشاهدات 33
الكاتب سعد دسوقي
أضيف 2026/10/10 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/10/11 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 18511 الكلي 16603680
الوقت الآن
الأحد 2026/10/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير