الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البطاقة الصفراء بين ثقافة اللاعب تأثيرها في حسابات التأهّل

← بواسطة azzaman

البطاقة الصفراء بين ثقافة اللاعب تأثيرها في حسابات التأهّل

 

النجف-نجم عبد كريدي

  لم يكن خروج منتخبنا الوطني من بطولة خليجي 27 مجرد خسارة في مباراة أو تعثر فني يمكن تجاوزه بالنقد والتحليل، بل كان خروجاً حمل في تفاصيله درساً قاسياً ومؤلماً عنوانه: حين يغيب الوعي بالقانون، قد تتحول لحظة فرح إلى لحظة ندم، وقد يصبح التفصيل الصغير أثقل من الهدف الكبير.

لقد تابعنا خلال البطولة، وبصورة مؤسفة، عدداً من الحالات التي كشفت ضعف الثقافة القانونية والانضباطية لدى بعض لاعبينا، بل إن الأمر لا يقتصر على اللاعبين وحدهم، وإنما يمتد ــ بدرجات متفاوتة ــ إلى بعض المدربين والإداريين الذين يفترض أن يكونوا أول من يشرح للاعبين لوائح البطولة وقوانين اللعبة وما يترتب على مخالفتها من عواقب. ولعل ما حدث في مباراتنا أمام الكويت يمثل نموذجاً صارخاً.

في الدقيقة التاسعة من الوقت المحتسب بدل الضائع، وتحديداً عند 90+9، سجل البديل كرار نبيل هدف العراق الثالث، هدفاً قاتلاً منح منتخبنا الفوز على الكويت 3-2 ورفع رصيدنا إلى أربع نقاط.

كانت لحظة فرح عراقية كبيرة، وكان من حق اللاعب أن يحتفل بهدفه، بل إن الاحتفال بالهدف جزء جميل من كرة القدم. لكن المشكلة لم تكن في الاحتفال، وإنما في طريقة الاحتفال؛ إذ خلع كرار نبيل قميصه، فحصل على البطاقة الصفراء.. وهنا لا بد أن نسأل:

ألم يكن اللاعب يعرف هذه القاعدة؟ وأين كان الجهاز الفني والإداري؟ وهل يحتاج لاعب منتخب وطني إلى من يذكره بأن خلع القميص بعد تسجيل الهدف مخالفة تستوجب الإنذار؟

إن قانون اللعبة واضح في هذه المسألة.

فالمادة 12 من قوانين اللعبة تنص صراحة على وجوب إنذار اللاعب الذي يخلع قميصه أو يغطي رأسه بالقميص أثناء الاحتفال بالهدف. كما أن هذه المخالفة لا تسقط حتى لو أُلغي الهدف لاحقاً. والأهم من ذلك أن هذا النص ليس جديداً ولا طارئاً. فقد أقر مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم IFAB في اجتماعه السنوي عام 2004 مقترح FIFA بإضافة معاقبة اللاعب الذي يخلع قميصه أثناء الاحتفال بالهدف بالبطاقة الصفراء بسبب اعتباره سلوكاً غير رياضي. أي أننا أمام قانون عمره أكثر من عقدين! فكيف يمكن للاعب محترف، يمثل منتخب بلاده في بطولة قارية، أن يجهل قاعدة بهذا الوضوح والقدم؟

المشكلة ليست في القميص وحده.. قد يقول البعض: وما أهمية بطاقة صفراء واحدة؟ والجواب جاءنا عملياً من جدة!

في كرة القدم الحديثة، كل بطاقة لها ثمن، وقد تتحول البطاقة التي تبدو عابرة إلى رقم مؤثر في حسابات التأهل. وهذا ما حدث بالفعل في خليجي 27. بعد الجولة الأخيرة، خسر العراق أمام السعودية 0-2، فيما فازت عُمان على الكويت 3-1. أصبح المنتخبان العراقي والعُماني متساويين في النقاط، وتساويا كذلك في عدد الأهداف والمعايير الأخرى، وانتقل الحسم إلى معيار اللعب النظيف. وكانت عُمان تتفوق قبل واقعة الشقصي ببطاقة واحدة، لكن اللاعب العُماني مصعب الشقصي خلع قميصه بعد تسجيل الهدف الثالث في الدقيقة 84، فنال البطاقة الصفراء، ليتساوى رصيد المنتخبين في البطاقات أيضاً.

وهنا وصلت البطولة إلى أكثر لحظاتها غرابة:

العراق وعُمان متساويان في كل شيء تقريباً حتى البطاقات

ولم يعد أمام المنظمين سوى اللجوء إلى القرعة، التي منحت عُمان بطاقة التأهل إلى نصف النهائي، فيما انتهى مشوار العراق.

ولذلك فإن القول إن خلع كرار نبيل لقميصه وحده أخرج العراق من البطولة ليس دقيقاً من الناحية القانونية والحسابية، لكنه كان بالتأكيد جزءاً من سلسلة الانضباط التي جعلت رصيد العراق التأديبي أعلى، ثم جاءت بطاقة الشقصي لتمنح عُمان التساوي الكامل الذي قاد إلى القرعة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:

بطاقة صفراء بسبب قميص!

ماذا لو احتفل كرار بطريقة أخرى؟

هذا هو السؤال الذي سيبقى يطاردنا.

ماذا لو سجل كرار الهدف واحتفل مع زملائه دون خلع القميص؟

كان سيحتفظ بقميصه، ويحافظ على بطاقته، ويمنح منتخب بلاده أفضلية انضباطية في حسابات كسر التعادل.

لكننا لا نريد تحميل لاعب واحد مسؤولية كل شيء؛ لأن القضية أكبر من كرار نبيل.

فقد شهدت البطولة حصول عدد من لاعبينا على بطاقات كان بالإمكان تجنبها، ومن بينهم زيد تحسين وإبراهيم بايش وأيمن حسين، إلى جانب كرار نبيل ومحمد قاسم وأمير العماري وأحمد قاسم وغيرهم. وهنا يجب أن نسأل بصراحة: هل أصبح الحصول على البطاقة الصفراء أمراً عادياً في منتخبنا؟ وهل يتعامل اللاعب مع الإنذار باعتباره مجرد ورقة صغيرة في جيب الحكم، أم يدرك أنه قد يتحول إلى عقوبة أو إيقاف أو عامل مؤثـــــــر فـــــــــي حسابات التأهـــــل؟

لماذا يعاقب القانون خلع القميص؟

البعض يرى أن خلع القميص مجرد تعبير عن الفرح، فلماذا كل هذه الصرامة؟

الإجابة أن قانون اللعبة لا يمنع اللاعب من الاحتفال، لكنه يضع حدوداً للاحتفال المبالغ فيه. وتوضح المادة 12 أن الاحتفال لا ينبغي أن يكون مفرطاً أو يؤدي إلى إضاعة الوقت، وأن خلع القميص أو تغطية الرأس به من الحالات التي تستوجب الإنذار. وقد ارتبطت هذه القاعدة منذ اعتمادها بفكرة الحد من الاحتفالات المبالغ فيها وغير الضرورية، إضافة إلى مسألة إضاعة الوقت والحفاظ على انتظام المباراة. كما أن القواعد تمنع بعض أشكال الاحتفال التي قد تحمل رسائل استفزازية أو سياسية أو تؤدي إلى مشكلات أمنية. إذن المسألة ليست أن FIFA «يعاقب اللاعب لأنه فرح». بل إن اللاعب يستطيع أن يفرح، ولكن عليه أن يفرح ضمن حدود القانون. وهذا هو جوهر الاحتراف.

اليابان والسنغال

عندما أصبحت البطاقات لغة التأهل!

ولمن يعتقد أن البطاقات لا يمكن أن تحدد مصير منتخب، فإن تاريخ كأس العالم يقدم لنا المثال الأشهر.

في مونديال روسيا 2018، تساوى منتخبا اليابان والسنغال في المجموعة الثامنة في النقاط وفارق الأهداف والأهداف المسجلة والمواجهة المباشرة، فلجأ FIFA إلى معيار اللعب النظيف، فتأهلت اليابان بعدما كان رصيدها التأديبي أفضل؛ إذ حصل لاعبوها على أربع بطاقات صفراء مقابل ست للسنغال. وكانت تلك أول مرة يُحسم فيها ترتيب مجموعة في تاريخ كأس العالم بهذا المعيار.

هذه الواقعة وحدها يجب أن تكون درساً لكل لاعب ومدرب وإداري:

البطاقة ليست مجرد بطاقة... إنها رقم في جدول قد يقرر من يتأهل ومن يغادر.

أين دور الاتحاد؟

هنا نصل إلى جوهر المشكلة.

إذا كنا نريد بناء منتخب محترف، فلا يكفي أن نبحث عن اللاعب الموهوب ونختار المدرب ونضع برنامجاً بدنياً وتكتيكياً.. نحن بحاجة أيضاً إلى تثقيف قانوني وانضباطي.

لماذا لا تكون هناك محاضرة إلزامية للاعبي المنتخب قبل كل بطولة؟

لماذا لا يتولى أحد المختصين بقوانين اللعبة شرح لائحة البطولة للاعبين؟

لماذا لا يعرف اللاعب منذ البداية عدد البطاقات التي بحوزته، وكيف تؤثر في وضع فريقه؟

ولماذا لا تكون هناك لائحة داخلية واضحة تفرض غرامات أو عقوبات مالية على التصرفات الانضباطية غير الضرورية، وفق نظام معلن وعادل، خصوصاً عندما تكون المخالفة ناتجة عن سلوك يمكن للاعب التحكم به؟

إن الهدف من العقوبة ليس الانتقام من اللاعب، وإنما منع تكرار الخطأ.

فاللاعب الذي يعرف أن بطاقة مجانية قد تكلفه شخصياً، وتكلف فريقه مباراة أو بطولة، سيفكر مرتين قبل أن يقدم على التصرف.

الاحتراف ليس مهارة

نحن نملك لاعبين موهوبين، لكن الموهبة وحدها لا تصنع منتخباً ناجحاً. الاحتراف يعني أن يعرف اللاعب:

متى يتدخل.

متى ينسحب.

متى يعترض.

متى يصمت.

كيف يحتفل.

كيف يتعامل مع الحكم.

كيف يحافظ على قميصه.

وكيف يدرك أن تصرفاً شخصياً قد تكون له نتائج جماعية.

إن اللاعب المحترف لا يحفظ قوانين اللعبة كاملة بالضرورة، لكن عليه أن يعرف على الأقل القواعد التي يمكن أن تؤثر مباشرة في مشاركته وفي مصلحة فريقه.

*من كرار نبيل إلى مصعب الشقصي.. الدرس واحد..

والغريب في قصة خليجي 27 أن الدرس لم يكن عراقياً فقط.

فبعد أيام قليلة، وقع اللاعب العُماني مصعب الشقصي في الخطأ نفسه تقريباً. سجل هدفاً مهماً أمام الكويت، ثم خلع قميصه، فنال بطاقة صفراء، فتحولت البطاقة إلى عنصر مؤثر في حسابات تأهل عُمان، وانتهى الأمر باللجوء إلى القرعة.

وهذا يؤكد أن القضية ليست استهدافاً للاعب عراقي أو منتخب معين.

إنها قاعدة كروية واضحة، ومن لا يحترمها يدفع ثمنها.

لكن الفرق بين المنتخب الذي يتعلم من أخطائه والمنتخب الذي يكررها هو مقدار الوعي والانضباط.

 

*كفى بطاقات مجانية!!

لقد آن الأوان لأن نتعامل مع المنتخب الوطني باعتباره مؤسسة رياضية لها أنظمة ولوائح ومسؤوليات، وليس مجرد مجموعة من اللاعبين يجتمعون قبل البطولة بأيام.

نحتاج إلى لاعب يعرف القانون.

ومدرب يعرف اللوائح.

وإداري يتابع البطاقات.

واتحاد يضع أنظمة واضحة للمحاسبة.

وإعلام يشرح للجمهور حقيقة ما يحدث بدلاً من اختزال كل شيء في شماعة الحكم أو سوء الحظ.

فهدف كرار نبيل كان جميلاً، وفوزه على الكويت كان ثميناً، وفرحة اللاعب كانت مفهومة من الناحية الإنسانية.

لكن كرة القدم لا تُدار بالعاطفة وحدها.

ففي الملعب فرحة، وفي اللوائح حساب... وقد يكون بينهما قميص واحد!

لقد خرج العراق من خليجي 27 بعد أن تساوى مع عُمان في النقاط والأهداف ومعيار اللعب النظيف، ثم حُسم المقعد بالقرعة لمصلحة المنتخب العُماني.

ولذلك فإن الدرس الذي يجب أن نخرج به ليس أن نبحث عن لاعب نحمّله كل المسؤولية، وإنما أن نسأل أنفسنا:

كم بطولة أخرى نحتاج حتى يتعلم لاعبونا أن البطاقة الصفراء ليست لوناً في يد الحكم... وإنما قد تكون ورقة في يد التاريخ؟

إن الثقافة القانونية والانضباطية ليست ترفاً، وليست درساً ثانوياً يمكن تأجيله.

إنها جزء من الاحتراف... ومن لم يتعلم قانون اللعبة، قد يخسر مباراة لا بسبب كرة دخلت مرماه، بل بسبب قميص خرج من جسده!


مشاهدات 33
أضيف 2026/10/07 - 2:34 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 1:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 179 الشهر 12535 الكلي 16597704
الوقت الآن
الخميس 2026/10/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير