الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مالا تراه العيون… أزمة الأخلاق

← بواسطة azzaman

مالا تراه العيون… أزمة الأخلاق

هند الحافظ

 

حين تُذكر الأزمات، تتجه الأذهان إلى الحروب والفقر والبطالة، لكن أخطرها تلك التي لا تُرى بالعين. إنها أزمة الأخلاق؛ أزمة تبدأ بصمت، ثم تمتد كشقوق خفية في جدار المجتمع حتى تهدد بنيانه.

ليست الأخلاق مجرد نصائح تُحفظ في بطون  الكتب، بل هي الحاجز الذي يمنع الإنسان من إيذاء غيره حين تتاح له الفرصة. وحين يضعف هذا الحاجز، لا يصبح الظلم حادثة استثنائية، بل سلوكًا اعتياديًا يجد من يبرره ويدافع عنه.

المشكلة ليست في وجود الخطأ، فهو ملازم للبشر منذ البداية، بل في تحوله إلى أمر طبيعي. فعندما يتوقف الناس عن استنكار الكذب، ويعتادون الفساد، ويتعاملون مع الانحراف  كضرورة، تكون الأخلاق قد خسرت معركتها الأهم.

لقد منحت الحضارة الحديثة الإنسان وسائل لا تُحصى للتواصل، لكنها لم تمنحه بالضرورة أسبابًا ليكون أكثر رحمة وانسانية . لذلك يبدو العالم اليوم أقرب من أي وقت مضى، وأكثر تمزقًا في الوقت نفسه.

لا يمكن لأي مجتمع أن يحمي نفسه بالقوانين وحدها، فالقانون يعاقب بعد وقوع الضرر، بينما الأخلاق تمنعه قبل حدوثه. ولهذا تبقى القيم خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات وحماية أفرادها.

إن أزمتنا الحقيقية ليست مع الآخرين بقدر ما هي مواجهة مع الذات: ماذا يبقى من الإنسان حين يتخلى عن مبادئه؟ وما قيمة النجاح إذا كان ثمنه فقدان الكرامة واحترام الذات؟ هذه الأسئلة هي بداية الطريق لاستعادة ما فُقد.

لقد نجح العالم في تطوير الآلات، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في حماية الإنسان من الإنسان نفسه.

وإذا كانت الأزمات الاقتصادية تُرهق الجيوب، فإن غياب الأخلاق تُرهق الأرواح. إنها تسرق الثقة بين الناس، وتحول العلاقات إلى مصالح وصفقات، وتخلق شعورًا بالغربة ،وعندما تنهار الثقة، يصبح كل شيء قابلًا للانهيار.

لقد آن الأوان للتوقف عن رثاء القيم المفقودة، والبدء في استعادتها داخل أنفسنا أولًا. فما ضاع من الصدق والأمانة والرحمة لا يعود بالشعارات، بل بالممارسة اليومية وبالالتزام بالمبدأ حين يكون التخلي عنه أسهل.

فالمجتمعات لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالضمائر الحية. والطريق إلى مستقبل أكثر أمانًا وطمأنينة يبدأ من العودة إلى القيم التي أضعناها في الطريق، وإحياء ما اندثر منها قبل أن نفقد الإحساس بغيابها.

ان الانسان لا يُقاس بما يملك من مال أو نفوذ، بل بما يحمله من أخلاق ٍ  تبقيه إنسانًا حين تدفعه الظروف إلى  غير ذلك .                            


مشاهدات 66
الكاتب هند الحافظ
أضيف 2026/10/10 - 3:42 PM
آخر تحديث 2026/10/11 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 18511 الكلي 16603680
الوقت الآن
الأحد 2026/10/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير