إستباحة السجلات المدنية وبيع البيانات البايومترية
أحمد فاتح محمد
يعيش العراق مفارقة قانونية خطيرة تتمثل في التوسع الرقمي المتسارع عبر مشاريع البطاقة الوطنية الموحدة، والمنظومات المصرفية، والجواز الإلكتروني، مقابل فراغ تشريعي وهيكلي كامل في حماية الأمن السيبراني وخصوصية الأفراد. وفي غياب إطار تنظيمي رادع تحولت المعلومات البيومترية الحساسة للمواطنين—بما تشمله من بصمات الأصابع، وقزحية العين، والسجلات العائلية، والأرقام المدنية—إلى أصول رقمية متداولة ومستباحة لدى شركات وسيطة وجهات تقنية خاصة لا تخضع لرقابة حقيقية، ما ينقل التهديد من مجرد انتهاك فردي للخصوصية إلى مستوى المساس المباشر بالأمن القومي والسيادة القانونية للدولة. يشكل تسريب هذه البيانات أو إيكال إدارتها لشركات تجارية خاصة خرقاً صريحاً للمادة (17) من الدستور العراقي لعام 2005، التي نصت بوضوح على أن لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين والآداب العامة، فضلاً عن مخالفته للمادة (15) التي تكفل الحق في الأمان الشخصي والكرامة. غير أن الإشكالية تكمن في أن المنظومة العقابية المعمول بها ما زالت محكومة بقانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وتحديداً المادة (437) المتعلقة بإفشاء الأسرار المهنية، وهي نصوص تقليدية صيغت في عصر الوثائق الورقية وعاجزة تماماً عن مواكبة وملاحقة الجرائم السيبرانية الحديثة، مثل تجميع البيانات الضخمة ، والاتجار بالخوارزميات، وتخزين المعطيات الحيوية على خوادم سحابية تستقر خارج الحدود الوطنية دون رقابة قضائية.تتعمق هذه الأزمة نتيجة لجوء مؤسسات حكومية إلى إبرام عقود تشغيلية وتقنية مع شركات قطاع خاص لتنفيذ مشاريع الأتمتة والدفع الإلكتروني والجباية. حيث تمنح هذه التعاقدات شركات وسيطة حق النفاذ الكامل لقواعد بيانات الملايين دون فرض بروتوكولات تشفير سيادية أو تدقيق جنائي لخلفيات المساهمين والمشغلين الفعليين. وتؤكد الوقائع المتداولة أن جزءاً كبيراً من هذه السجلات بات يتسرب إلى أسواق الظل الرقمية، ويُستغل في التتبع غير القانوني، والاحتيال المالي، والتزوير، والابتزاز السياسي، وصولاً إلى احتمالية اختراقها من قبل أجهزة استخباراتية خارجية عبر واجهات تجارية عابرة للحدود.يضاف إلى ذلك غياب مبدأ المسؤولية التقصيرية الواضحة على الجهات الحكومية. إذ لا يلزم القانون الحالي المؤسسات بإخطار المواطنين في حال تعرض سجلاتهم للاختراق، ولا يمنح المتضررين حق مقاضاة الشركات المشغلة أو طلب التعويض العادل، ما أسس لحالة من الإفلات من العقاب الإداري والتنصل المؤسسي.
إن مواجهة هذا الانهيار المعلوماتي تستوجب تحركاً برلمانياً عاجلاً لتشريع قانون حماية البيانات الشخصية والأمن السيبراني، مستلهماً التجارب الدولية الرصينة مثل اللائحة الأوروبية العامة ، بحيث يتضمن نصوصاً تجرم الاتجار بالبيانات البيومترية، وتؤسس لهيئة وطنية مستقلة لحماية الخصوصية الرقمية، مع إلزام الحكومة بنقل كافة الخوادم ومراكز البيانات إلى داخل الأراضي العراقية حصراً فالسيادة في العصر الحديث لم تعد تقاس بجغرافيا الأرض فقط، بل بقدرة الدولة على حماية السجلات الحيوية لمواطنيها من التحول إلى سلعة رخيصة في أسواق المضاربة الرقمية.