موازنة البنود وموازنة البرامج والأداء في مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2027
عماد عبد اللطيف سالم
استناداً لما ورد في الموقع الرسمي لمجلس النواب (في 6-10-2026)، استضافت اللجنة المالية في المجلس السيد وزير المالية، وتمّ عقد جلسة خُصِّصت لمناقشة مشروع قانون الموازنة للسنة المالية 2027 و "البحث عن آليّة لتقسيم الموازنة والتخصيصات الماليّة بين موازنة البنود وموازنة البرامج والأداء وتجربة تطبيق موازنة البرامج والأداء على عدد من المحافظات والمؤسسات الحكومية كمرحلة أولى تمهيداً لتعميمها على جميع المحافظات".
كما أن بعض أعضاء مجلس النواب يظهرونَ على الفضائيّات، ويتحدثّونَ عن "المَرّة الأولى" التي يتمّ فيها تطبيق هذا النوع من أنواع الموازنات في العراق.
وبهذا الصدد أوّدُ التنويه لما يأتي:
- لا يمكن الجَمع بين نمطين مُختَلِفين(بل ومتعارِضَين) في اعداد الموازنات في موازنة واحدة، فلكل نمط (أو اسلوب) اشتراطاته و"مجموعته الدفترية" و"نظام المحاسبة" و"التدقيق" الخاصّانِ به، ولا يمكن الجمع بينهما في موازنة واحدة، ويمكن الرجوع إلى كتابات كثيرة (متوفِرّة على الأنترنت) وجميعها تتحدّث وبالتفصيل المُمِلّ عن شروط وأحكام ومعايير اعداد وتنفيذ موازنة البرامج والأداء، وكُلّها غير متوَفِّرة في مشروع موازنة 2027.
-لا يمكن "تقسيم" التخصيصات الماليّة بين نوعين مختلِفين من الموازنات في موازنة واحدة.. فأمّا موازنة بنود وإمّا موازنة برامج وأداء فقط لا غير.
- هذا يعني أنّ موازنة 2027 ستبقى موازنة بنود "فعليّاً"، وسيتمُّ الاعداد والتنفيذ على وفقها.. أمّا موازنة البرامج والأداء فستكون نسخة "تجريبيّة".. فقط لا غير.
- إنّ وجود "نفقات استثمارية" في مشروع الموازنة لا يعني أن هذا الانفاق سيسمح بتوصيفها على أنّها موازنة برامج وأداء، لأنّ لـ "مشاريع" موازنة البرامج والأداء(عند اختيارها أو تحديدها لمختلف وحدات الانفاق) اشتراطات ومعايير وضوابط ومحدّدات لا يمكن العمل على وفقها في موازنة البنود.
- لا يتم اعداد موازنة البرامج والأداء استناداً لمبدأ أو منهجية "حجم الانفاق"، بل إلى مبدأ أو منهجيّة "جدوى الانفاق".. وكُلّ البيانات والمؤّشرات المتوفرة تشير وتؤكِّد على أن موازنة 2027 هي موازنة أكبر حجم إنفاق في التاريخ المالي للعراق (217.239 ترليون دينار)، وأنّ التخصيصات الجارية "التشغيليّة" في هذه الموازنة تبلغ 169.342 ترليون دينار، بينما لا تزيد تخصيصات "الموازنة الاستثمارية" عن 47.897 ترليون دينار فقط (أي أقل من رُبع تخصيصات الموازنة التشغيليّة، التي تنطوي على الكثير من الهدر والتبذير وغيابِ الضَبطِ والانضباط) .
- هناك شكوك كثيرةوحقيقيّة، ولا تحتاج إلى أدِّلة واثباتات حول "جدوى الانفاق" في أبواب صرف كثيرة في مشروع موازنة 2027، وقد تمّ الحديث عنها كثيراً من قبل المُختّصين، وليس ثمّة داعٍ لتكرار سردها الآن.
- في جميع الموازنات العامة للحكومات المتعاقبة يتم أخذ "الانفاق الاستثماري" كـ "رهينة" لمقدار العَجَز في هذه الموازنات.. أيّ أنّ هذا الانفاق (الخاص بالموازنة الاستثماريّة، والذي تقوم بتحديده واختيار مشاريعه وزارة التخطيط) بعَدِّهِ عنصراً أساسيّا للتنمية، وتجسيداً لعمليّة تنفيذ أهداف خطط التنمية الوطنية المتعاقبة سيكون مجرّد "دالّة" لحجم العجز في الموازنة، فإن تحقَّقَ هذا العجز فعلياً، أو تحقّق الجزء الأكبر منه، أو تمّ إنفاق تخصيصات الموازنة التشغيليّة بالكامل، أو انخفضت الإيرادات العامّة المتحقّقة فعلاً مقارنةً بالتقديرات، لن تكون هناك موازنة استثمارية أساساً، ولن تكون هناك "تنمية" أصلاً.
ومن "المفارقات" التي يمكن رصدها بهذا الصدد أنّ حجم الانفاق الاستثماري في مشروع موازنة 2027 (48 ترليون دينار تقريباً) يقترب كثيراً من حجم العَجَز في هذه الموازنة (43 ترليون دينار).
- أخيراً.. فإنّ هذه ليست "المرّة الأولى" التي تسعى فيها الحكومات العراقيّة المتعاقبة لتطبيق موازنة البرامج والأداء (كما يدّعي البعض).. فتطبيق هذه الموازنة "تجريبيّاً" في عدد من المحافظات والمؤسّسات الحكومية كان قد تقرّر العمل به قبل 15 عاماً من الآن، تنفيذاً لتوصيات لجنة تمَّ تشكيلها في الأمانة العامة لمجلس الوزراء وضمّت أعضاء على مستوى عال من جميع الوزارات ذات الصلة بالشأن المالي والاقتصادي، اضافةً لخبراء من وزارات أخرى.. و تقرّر في حينه أن يتم التطبيق "التجريبي" لهذه الموازنة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وديوان الرقابة الماليّة، والبنك المركزي العراقي، ووزارة التعليم العالي، ومن بين المحافظات تمّ اختيار محافظة النجف الأشرف (إن لم تَخُنّي ذاكرتي المُتعبة جدّاً هذه الأيام).
ولا أحد يعرِف لماذا توقّف العمل بكُلّ هذا، ولماذا ضاعَ كُلُّ ذلك الوقت والجهد والمال، ولماذا يعودُ العراقيّونَ دائماً إلى "اختراع" أو "اكتشاف" العَجَلات في مختلف المجالات مرّةً بعد أخرى، مع أنّهم "يَدَّعون" أنّهم قاموا باختراعها (قَبلَ غيرهم) منذ أكثر من سبعة آلافِ عام.