حرب بلا رحمة ... و عنف بلا حدود
قراءة في قصة (سيمفونية الرماد) للمثقف الانتحاري محمد رشيد
عبد الحسين شعبان
حين طلب مني محمد رشيد القاص و المثقف الناشط الميساني "العمارتلي" نسبة إلى محافظة - ميسان /العمارة ، أن أقرّض قصّته القصيرة "سيمفونية الرماد" ليضعها في صدر المطبوعة التي ستصدر عنها موشّاةً بنقد 12 مثقفاً ، تردّدت كثيراً و قلت مع نفسي ، ماذا سأضيف إلى قراءات سبقتني لعدد من الأدباء و النقاد...وهي جميعها غنية و عميقة..؟؟
لكني إستجبت أخيراً لإلحاح محمد رشيد الذي سبق و أطلقت عليه لقب " المثقف الإنتحاري" و الذي يخطط لعشرة مشاريع في آن واحد ، دون أن يكون له مستلزمات أوليّة لأي منها ، لكنه في نهاية المطاف وقد يكون بقدرة قادر ، يتمكّن من إنجاز أغلبها فكيف يحصل ذلك لا أدري..؟؟
ربما بالإرادة و الإصرار وحُسن النوايا و بالعلاقات الواسعة بالوسط الثقافي ، التي كوّنها خلال العقدين المنصرمين ، ولكن لا يعني دون خسارات و تضحيات كبيرة..!!
وزال تردّدي بعد أن قرأت القصة القصيرة أو القصيرة جدّاً أو الأقصوصة ، كما يطلق عليها الصديقان أبو كاطع "شمران الياسري" الذي مرّت ذكرى رحيله الأربعين (17 آب/ اغسطس 2021 ) ، و محمود البياتي الذي غادرنا إلى الرفيق الأعلى في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 .
و أول ما إستوقفني في سمفونية الرماد حبكتها الدرامية المُحكمة وفضاء خيالاتها الخصبة ، إضافة إلى الصور المعبّرة التي إزدانت بها ، و جمعت فيها اللون بالصوت حتى بدت الألوان كأنها ناطقة..!!
وفي البدء "كانت الكلمة".. و الكلمة مرّت عبر اللسان ، أي بالصوت تكون اللغة قد أدّت مفعولها بالوصول إلى الآخر و حسب الروائي الأرجنتيني الكبير إستورياس " الإنسان إله بسبب من صوته"، فما بالك حين يكون الصوت صورة أيضاً و تكون الصورة صوتاً و اللون متحرّكاً مع حركة المايسترو في السمفونية ذات الألوان المتناقضة و الأصوات المتناسقة ، خصوصاً حين تكون لغتها جميلة وشفيفة وأنيقة ، و هكذا هي حروفها منسوجة بخيط رقيق و لكنه قوي ومتماسك..!!
إستطاع محمد رشيد أن يوظّف لغته و صوته و موسيقاه و ألوانه و صوره في هارموني متفاعل و متعاشق متّحد وإن كان مستقلاً أيضاً ، و على نحو بارع و ذكي و متصاعد ليصل به إلى المدى الذي أراد أن يوصِل القارئ إليه ، بإشاراته الجنونية و رمزيّته العالية و تكثيفه التلقائي : إنها الحرب بكلّ بشاعتها و مأساويّتها ، و الحرب لها وجهان : إحداهما - عسكري تدميري خارج إطار النصر و الهزيمة ، و الآخر - سياسي يخدم الهدف الأول ، و كما يقول الخبير العسكري النمساوي كلاوزفتز :"الحرب هي إمتداد للسياسة و لكن بوسائل أخرى"..؟؟
فتصبح السياسة بهذا المعنى حرباً و إن بوسائل غير عسكرية ، لكنها في الكثير من الأحيان لا تقلّ خبثاً و مكراً و ألماً عنها ، سواء بوسائل ناعمة أو خشنة..!!
و حسب دستور اليونسكو "إذا كانت الحروب تتولّد في عقول البشر ، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام" ، ولعلّ جوهر تلك الفكرة هي التي كانت وراء محاولة رشيد ، تبشيع الحرب و تقبيح نتائجها و تنغيل ولادتها ، بعد أن يتّمت الحب و كدّرت المزاج و حقنت الناس بالكراهية و الحقد ، فحتى كلمات التعاطف مع الضحية تكون أحياناً باردة و بائسة..!!
"خطية...مسكينة ... كانت تحبه ... كانت تنتظره "، هذه الكلمات كما جاءت في النص "راحت تثقبني حين سمعتها ، شاهدتها مسجاة فوق الأرض تعلوها قطعة من القماش ملطخة ببقع من الدم"، و حين جثا أمامها على ركبتيه... فوجئ بتطاير الريش الذي فقده الطائر نحو السماء ، وهو يتراقص مع نوتات سمفونية الرماد..بل سمفونية رمادها .
وقد شهدت البلاد دماراً بعد الحروب ، وحتى لو كانت القصة قد كتبت قبل نحو ربع قرن ، فإنها ما تزال راهنة بأحداثها و تفاصيلها و مأساوياتها ، و إن أصبحت الدراما اليوم أكثر إتساعاً و أعمق تأثيراً و أوضح معنىً .
السياسة و الإقتصاد و الحرب النفسية و الإعلام و الدبلوماسية ، هي حروب ناعمة وطويلة الأمد حتى و إن كانت بوسائل مخملية ، لكنها تصبح بحكم أستمرارها و شمولها أكثر ألماً و أكبر ضرراً ، على الناس من الحرب العسكرية ، وهو ما عاشه العراق خلال فترة الحصار الدولي الجائر ، وقد عبّر عنها بالفداحة و الفقدان و الفجيعة..!!
وعكس رشيد ذلك عبر ثلاث صور حيّة طبعت القصّة من أوّلها إلى آخرها ، أعني بها طول الإنتظار، سواء بطول الطريق أو بالقلق الذي يصاحب من يسعى للقاء محبوبته ، في ظلّ المتغيّرات التي عصفت بالبلاد ، بالحرب وما بعدها أو بالذكرى و الذاكرة ، و هي و إن بدت بإيقاع منفرد ، لكن حركيتها الداخلية و نسيجها المتفاعل ، صنعت منها مفاجآت من خلال قوّة التعاطف و الانكسار ، ولعلّها حالة جماعية أو شبه جماعية ، و بالتردد و الضياع والكوابيس التي كانت أحلاماً يوماً ما.
وبهذه الصور المتراكبة و المتداخلة و المتفاعلة أراد محمد رشيد ، إدانة كلّ ما يتعلّق بالحرب عبر تفاصيلها الدقيقة : بقع الدّم و العجلات التي تدور و الريش المتطاير و إنكسار الحلم و الخسارة و الفقدان ، وهو ما نجده معلناً و مستتراً ، صامتاً وناطقاً في قلب النص منذ بدايته و حتى نهايته ، مندغماً في حيثياته على نحو عضوي يتعلّق بقبح الحرب ولا إنسانيّتها و إنكسار الأحلام و الموت الذي يظهر لنا بصور مختلفة ..؟؟
كلّ ذلك عرضه محمد رشيد...برمزية و لباقة هائلة ، فربطة العنق من القنّب هي عبارة عن مشنقة لطائر ميّت ، و الجسد المسجّى هو الضحيّة المتكررة بسبب الحرب ، و هذا ما ينبعث عن رائحة الماضي ، الذي حفر في سردية متداخلة بأصوات و بوح متفاعل في طريقة قص باهرة "من أقتناص لحظة الحلم إلى إمتطاء صهوة الواقع"، بحيث يظهر في سمفونية قهر و أنسحاق و حزن متوالد ، فيتصاعد الهارموني بخطاب سردي حسب تعبير القاص محمد خضير في كتابه "الحكاية الجديدة" .
يستخدم محمد رشيد مونولوجه الداخلي على شكل متصاعد في السلّم الموسيقي بإنسجام كامل في آلاته ، فينتقل من ضربة موسيقيّة خاطفة إلى أخرى ذات رنين أكبر ، و يريد إيصالنا إلى الذروة في فيض من الشعور ، ليتركنا في حيرة و ذهول و حزن ، و نحن وسط سمفونية رماده الذي يعفّر الوجوه و يزكّم الأنوف .
إنها الحرب بلا رحمة..و العنف بلا حدود..!!
______________
* مقدّمة للقصة القصيرة بذات العنوان ، و التي صدرت بقلم الأديب محمد رشيد مع 15 دراسة كتبت عنها و الموسومة "سيمفونية الرماد في مرايا المثقفين"، منشورات العنقاء الذهبية 2021 .