فيصل لعيبي بعد غربة نصف قرن
معرض بمهرجان بابل وإحتفاء في جمعية التشكيليين
بغداد - علي الدليمي
بعد غربة قاربت نصف قرن، يعود الفنان الكبير فيصل لعيبي إلى بغداد، لا زائرا عابرا، بل عائدا إلى بيت طالما حمله في القلب والذاكرة والريشة، جاء بدعوة من مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية ليشارك بمعرضه التشكيلي، فاستثمرت جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين/ المركز العام هذا الحضور الاستثنائي لتقيم احتفاء يليق بقامة أسست لمسار بأكمله فــــي الفن العراقي المعاصر.
إن لعيبي ليست حدثا شخصيا فحسب، بل هي عودة لجزء أصيل من ذاكرة الفن ، ذاكرة جيل الستينات الذي صنع القطيعة الجمالية الأولى مع ما سبقه، ورفع اللوحة العراقية إلى مصاف الحركات العالمية دون أن يقطع حبلها السري مع الأرض والناس.
ولد لعيبي في البصرة عام 1947 وترعرع في كنف عائلة ذات عمق ثقافي وفني، فتشكل وجدانه مبكرا على محبة الجمال وتقديس العمل، هذه النشأة البصرية الزاخرة بالنخيل والأنهار والأسواق الشعبية وعبير الملح، هي التي صقلت رؤيته ومنحته ذلك المخزون الذي ظل يرافقه من البصرة إلى بغداد ومن بغداد إلى المنافي البعيدة. حمل روح البصرة معه بكل تفاصيلها، حبا وذكرى وملعب صبا، ثم جاء إلى بغداد فبدأ اسمه يسبق حضوره.
كانت بغداد في منتصف الستينات مختبرا كبيرا، وكان لعيبي أحد أبرز فرسانها، بدأ من حيث يبدأ الكبار، من إتقان الحرفة.. تسلح بكل ما يمت إلى الرسم الأكاديمي الصارم من ضوء وظل ومنظور وإنشاء ولون وخط، واعتبر أن هذه القواعد ليست قيدا بل هي الأساس الذي يسهل كل استكشاف قادم.
لهذا جاءت بداياته شاملة: المدينة والبيئة والطبيعة والبورتريه، يرسمها بعين عارفة ويد متمكنة، قبل أن ينطلق نحو تأسيس هويته الخاصة.. ومنذ تلك السنوات المبكرة، ارتبط اسمه بذاكرة جيل كامل من الأطفال، كانت رسومه في مجلتيّ الأطفال الشهيرتين «مجلتي» و»المزمار» ومنشورات دار ثقافة الأطفال، أكثر من مجرد رسوم توضيحية، كانت مدرسة بصرية أولى علمت الأطفال كيف يرون اللون والتكوين، كم من فنان عراقي معروف اليوم يعترف بأنه تعلم تقليد خطوط فيصل لعيبي وهو صغير؟
هذا الأثر التربوي العميق هو جزء لا يتجزأ من منجزه، فهو لم يرسم للطفل فحسب، بل رسم الطفل الذي في داخل كل فنان.. وتوهجت تجربته بصحبة زمرة من الأقران لم يكونوا أقل شأنا منه، شكلوا معا قوة ضاربة أثرت بعمق على المشهد التشكيلي.
كانت المنافسة بينهم بناءة، والحب للرسم عميقا، والتفاني أشبه بالرهبانية، وفيصل لعيبي هو المثال الأصفى لهذه الرهبانية، فهو منغمس في عالم الرسم لا غير، همه الوحيد منذ صباه حتى اليوم هو كيف ينتج لوحة توثق شيئا من خياله الواسع وخلجاته النفسية واستلهامه لواقعه.. رجل يعيش ليرسم ويرسم ليعيش.
وقد استلهم في بدايات معارضه الكبرى، ومنها معرضه «النساء والشاعر» المأخوذ عن «قفا نبك» لامرئ القيس، روح جماعة بغداد للفن الحديث التي تزعمها جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، فجاءت أعماله بلمسة من منمنمات الواسطي البهية ولكن برؤية معاصرة، كبيرة الحجم كأنها جداريات تحكي وجع العراق ومسراته.. واستمرت هذه الرحلة المتواصلة من البحث والتجديد حتى معرضه «أوجاع ومسرات» في قاعة ميم بدبي عام 2015، لتشكل أكثر من ستة عقود من العطاء دون انقطاع.
لقد صاغ لعيبي ما يمكن أن نسميه الأسلوب «الكلاسيكي – الفيصلي»، وهو أسلوب لا علاقة له بكلاسيكية قصور النبلاء في أوروبا وزخارفها الباذخة، كلاسيكيته جاءت من الناس، من الحياة اليومية للبسطاء.
لم يرسم المظاهر الرسمية ولا الإيحاءات البيروقراطية، بل كرس فنه ليكون مؤرخا للفقراء، في لوحاته نرى البقال والعامل في المطعم والقصاب والخياطة وبائع الرقي وبائع السوس وبائع الفرارات وبائعة الباقلا، نرى السيدات في البيوت والعشاق وأصحاب المهن، نرى المقاهي والأزقة البغدادية ببلاطاتها الملونة وواجهاتها التي تحفظ إيقاع المدينة.
حتى حين رسم الألم، رسم الشهداء وتدمير الحضارات ونساء في مأتم، ظل وفيا للبساطة والجمال في خضم التعقيد، يصنع أرشيفا بصريا للذاكرة العراقية يمزج الواقعية بالتعبيرية ويميل أحيانا إلى الرمزية ليضفي على لوحته عمقا فلسفيا.
لعيبي هو أيضا ابن الكاريكاتير. بدأه في مدارس البصرة قبل عام 1958، يرسم ما يشاء لينشر في مجلات الأنشطة المدرسية، ثم وظفه لاحقا في مشروعه الصحفي اللاذع.. فالكاريكاتير عنده لم يكن تسلية، بل كان المتنفس الضروري والمرجع الأساسي في أغلب أعماله، وهذا يفسر حضوره الصحفي الكثيف من منتصف الستينات حتى منتصف السبعينات حيث كان له دور مؤسس في مجلة «ألف باء» و»مجلتي» و»المزمار»، ثم في المنفى حين أصدر في لندن جريدة «المجرشة» الفكاهية النقدية الساخرة في تموز 1992 واستمرت حتى العدد 72 عام 2002، بتمويله الخاص، جامعة أبرز الكتاب والصحفيين بروح الضحكة السوداء التي تميز العراقي.
عاصر فيصل لعيبي فترات عصيبة جدا في تاريخ العراق وتغيرات سياسية واجتماعية جذرية، وتغرب منذ منتصف السبعينات، فانعكس كل ذلك على أعماله وتحولت لوحاته إلى شهادات بصرية حية على مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، لكنها لم تفقد لمستها الإنسانية قط.
اليوم، وجمعية الفنانين التشكيليين تحتفي به في مقرها ببغداد بحضور نخبة من الفنانين والنقاد والمثقفين، فإنها لا تحتفي بفرد، بل تحتفي بمسيرة علمتنا أن الفن وفاء، وفاء للبصرة التي ولد فيها، لبغداد التي كبر فيها، وللناس البسطاء الذين جعلهم أبطال لوحاته الخالدة.
عاد فيصل لعيبي بعد نصف قرن، ومعه حقيبته الممتلئة بأوجاع المنفى ومسرات الرسم، ليقول لنا إن الريشة التي ترسم الذاكرة لا تشيخ، وإن الوطن الذي يحمله الفنان في قلبه لا يحتاج إلى تأشيرة دخول.