في المرمى
عندما يتصدّر علماء الوهم المشهد الإعلامي الرياضي
نصير الزيدي
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام على وجه الخصوص، في يوم من الأيام حدثًا عابرًا، بل كانت وما زالت وسيلة حية وآنية لنقل واقع قد يغيب عن مشهد المتلقي، وللتأثير في الرأي العام وتشكيل الوعي.
ولا أخفيكم سرًا أن الشارع، بصورة عامة، والعراقي بصورة خاصة، أصبح متأثرًا إلى حد كبير بما يدور في هذه الوسائط. نعم، هذه حقيقة وليست وهمًا.
لكن ما يدعو إلى القلق هو أن يطل علينا في هذه الأيام علماء الوهم عبر بعض القنوات الفضائية، وهم يتحدثون بثقة مفرطة، ويبدون وكأنهم يمتلكون القدرة المطلقة على قراءة الأحداث وتحليلها، بينما تكشف مواقفهم أحيانًا أن الأمر لا يتجاوز حدود الاستعراض وصناعة الإثارة.
وقد وصل الأمر، مع الأسف، إلى التشابك بالأيدي أمام أعين ملايين المتابعين، في مشاهد لا تليق بالإعلام ولا بالرياضة ولا بمن يتصدر الحديث باسمها.
الأهداف والغايات والأجندات باتت واضحة، خصوصًا عندما يتحول البرنامج الرياضي من مساحة للنقاش والتحليل إلى ساحة للصراع وتبادل الاتهامات، بينما يستمتع بعض المقدمين بهذه المشاهد، وكأن رفع نسب المشاهدة أصبح أهم من احترام عقل المشاهد وقيمة الرياضة. إن كرة القدم، قبل أن تكون منافسة ونتائج وأرقامًا، هي مساحة للتقارب، وليست وسيلة للتباعد. والرياضة قادرة على أن تجمع ما تعجز عنه الكثير من الوسائل الأخرى. وفي هذه المرحلة تحديدًا، وطننا بحاجة إلى كل جهد صادق وخيّر، بحاجة إلى علماء حقيقيين لا علماء وهم، وإلى أفكار تبني ولا تهدم، وإلى خطاب مسؤول يضع مصلحة الناس والوطن فوق المصالح الشخصية وحسابات الشهرة والمشاهدة. فبين الوهم والحقيقة يقف شارع يتأثر، وجمهور يتابع، وشباب قد يتشرب ما يُقدَّم لهم من أفكار وسلوكيات. والخوف كل الخوف أن نكــــتشف متأخرين أننا، ونحن نبحث عن الإثارة والجدل، خسرنا الأخضر واليابس.