الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 الروائية أجاثا كريستي في أور


 الروائية أجاثا كريستي في أور

نعيم عبد مهلهل 

 

1

ملتحقًا ببعثة السير ليونارد وولي الأثرية، جاء ماكس مالوان إلى أور وهو يرتدي حذاء "باتا"، وبسفينة إغريقية أبحر من لندن حتى ميناء طرطوس. ومنه عبر الصحراء بسيارة "دوج" أمريكية، وكان يرتدي قميصًا أسود نسجته فلاحات شطريات من قرى ريف إسكتلندا، وقبعة قش مصنوعة في غرناطة. وبها أَوْهَمَ بدو الجزيرة وفلاحي عشائر الغزي والبدور على أنه سيكون صديقهم. لكنه جاء لينبش القبور ويأخذ منها الأحجار والأفكار وعطرًا لشبعاد سيبيعه لاحقًا على صانع عطور إيطالي. وسيُذهل ويرتعب عند ابتسامات الهياكل العظمية في الأقبية الملكية، حيث الفردوس وهمٌ، والحياة على الأرض أقصى ما يمسكه الإنسان بحلمه. وأن العُلا هي صعودٌ إلى الفضاء وليس نزولًا في السراديب.

أنقل هذا من يوميات مالوان. وفي الصفحة الثانية يكتب إلى زوجته أجاثا كريستي: ليتكِ كنتِ هنا..؟ فتصعد ذات السفينة الإغريقية وتجيء إليه، ومن يستقبلها أول رشفة عطر من فم كاثرين وولي زوجة رئيس البعثة، فتشعر أجاثا أن خدها أصبح حديقة، وأن العطر اللذيذ يكشف بوحًا روحيًا يجعلها تتخيل وجوه الآلهة وأطوال أعضائهم التناسلية.

مع هذا البوح.. ضحكت كاثرين وهمست لصديقتها: تعالي نتعانق بوُدٍّ فوق الزقورة.

2

وصلت أجاثا كريستي في ذات اليوم الذي افتُتِح فيه نادي الموظفين في الناصرية، وشاهدت كيف يستقبل الموظفون قبل مراسيم الكؤوس الشاعر أراغون وهو يلقي قصائده البابلية إلى عيون إليزا ومليحة بائعة اللبن الرائب. ورئيس البعثة وولي كانت له كلمة، وصخرة دفاع فريق الناصرية عباس هليل كانت له كلمة، وزوجة رئيس وزراء إثيوبيا تحدثت أيضًا عن ضرورة تلقيح نخيل بساتين أسديناوية مبكرًا. وآخر المتكلمين كان الملك السومري الموسيقار شولكي، وكل كلمته كانت مديحًا شيوعيًا لصوت مطرب شعبي يُدعى خضير حسن مفطورة.

تبتهج أجاثا لكل تلك المراسيم وتتساءل: ولكن من بين كل هذا الفرح المدهش، كيف سأجد مادةً لرواية بوليسية جديدة؟

هذه الوقائع ترتعش لها كاثرين وولي، لأنها من بدء سريالية القرن العشرين. وستجد شيئًا سيُبهج الشاب سلفادور دالي، ولصديقتها الروائية ستعطي لغزًا عن سر علاقة بين شبعاد والممثل المصري رشدي أباظة.

ضحك العمال، وسلال التراب فوق أكتافهم، وقالوا همسًا: لا تكتبي هذا في روايتك، فنحن نعرف عن ليل البعثة طقوسًا أكثر متعة. وهل تعلمين أن كاثرين تتحول في الليل إلى دمية وتتعرى تحت ضوء القمر؟ ومن يكتب تفاصيل اللحظة هي أجاثا.

3

وهي تقف في أعلى الزقورة، حيث تبحث عن لغز موت أحد أمراء السلالة الثالثة مسمومًا بالزرنيخ، تراجع وجوهها الإنجليزية وتحزن أن أحفادًا لهم سيرجعون ذات يوم في نيسان ويحتلون البصرة ثانية. فتنزل ثملة من نشوة أمنية لتتعرى مع ملك. تلبس فستانًا فكتوريًا مزركشًا بوجوه أبناء المستعمرات وراء البحار. وتراجع رغبتها في وجوه العمال.

لا يغيرها شيء في حدة تلك الملامح، لأن أطراف أصابعهم ممتلئة بالملح والعوز.

قال زوجها: لا أحد هنا يصلح ليكون رواية.

أجابه حمودي عامل الحفر: بل نحن الروايات كلها.

ضحكت: نعم أنتم تملكون شهرزاد ونحن نمتلك الويسكي.

4

لأكثر من شهر سكنت أجاثا كريستي في أور، عاشت مع كاثرين أيامًا ممتعة مثل ظل بساتين تغفو عند أديم أفق الطائرات وهي تنقل جنود المارينز إلى أور الباكية من غزوات ملونة مثل خرائط حربية. لم تكتب شيئًا سوى أناشيد رغبتها عندما تعوي الثعالب فتشتاق أن تطارد زوجها غرامًا. لكن أهل هذه البلاد يعتقدون أن كل ممارسة غرامية على أرضهم بين غريبين تعتبر ممارسة غجرية.

5

هذه بلاد ليست للإنجليز ولكنهم اكتشفوا فيها أسرارنا. القناصل، المتصرفون والولاة وبائعو الأجبان والفلافل، وأمهاتنا المنكوبات بغرق الأولاد في مياه الأنهر والأهوار وحروب شمال ثلوج الدمع، والجنرالات الذين يتمنطقون بمسدساتهم والذين يذهبون إلى مخادعهم من دون رجولة، وجنود فصيل المخابرة في لواء الصفر مشاة، وبكر صدقي وسليمة مراد والمقصلة التي أعدموا عليها اليهوديين عزرا وجيته.

عالم تراه كريستي في غرفة الطين ولا تجد ما يغري، ذلك لأن التماثيل تم شحنها، وما تبقى لنا سوى هويات الأحوال المدنية ودفاتر السوق إلى الجندية والكتب الوجودية في مكتبة جبر غفوري في شارع الجمهورية في الناصرية، الشارع الذي تجولت فيه معًا أجاثا وكاثرين واشترتا بندقية صيد من مغازة السيد علي.

6

سترجع أجاثا كريستي إلى بلدها غدًا، تودع كاثرين بعناق حار مثل الجمر ومثل العطر ومثل غرام الغجر، فلا رواية بوليسية أُنجزت، ولا دمية طينية رُبِحت.

هي ربحت زوجًا وكاثرين وزوجها ربحا صناديق مليئة باللقى الأثرية، كما أن كاثرين ربحت مشاعر غامضة وقناعة ما أن في أور وُلد الغرام، وأحست به هي بطريقة غامضة.

المهم أن أجاثا ربحت زوجًا طيبًا ووفيًا ويتركها وحدها آخر الليل تنجز روايتها حتى قبل أن تموت بليلة واحدة.

وكانت تضحك وتقول له: هذا ليس لك، عندما كان مالوان يرقّم كل اللقى ويشحنها ليلًا بصناديق صوب البصرة.

 

 


مشاهدات 78
الكاتب نعيم عبد مهلهل 
أضيف 2026/08/08 - 3:06 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 6:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 306 الشهر 7898 الكلي 16097602
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير