الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القاص عاطف سلامة في حوار بين قذيفتين


وتظل غزة، رغم الخراب، تتنفس بألف قصة

من تحت الحصار والقصف وأزيز الرصاص

القاص عاطف سلامة في حوار بين قذيفتين

علي الدليمي

 

يقدم الناقد والباحث الأكاديمي د. عاطف سلامة في مجموعته القصصية الصادرة حديثًا عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع لعام 2026 بعنوان "حوار بين قذيفتين"، والمعززة برسومات الفنانين "تيماء سلامة وتوبي ميلمان"، تجربة سردية استثنائية تنتمي إلى أدب الفاجعة ومقاومة المحو، حيث تتخذ المجموعة من الإهداء الموجه إلى روحي الشهيدين الشاعر سليم النفار والشاعرة ميسر عليوة مدخلاً مأساويًا يؤسس لثيمة الذاكرة الحية التي ترفض الغياب.

يفتتح الكاتب نصه بتنويه صريح ينفي التوثيق المباشر ويفسح المجال للخيال الأدبي، غير أنه يقر بوجود تقاطع بنيوي محتوم بين طفرات الواقع وجماليات الفن، فالواقع الإنساني غريب ومأساوي إلى الحد الذي يتفوق فيه أحيانًا على أعتى الشطحات الخيالية.

تنطلق البنية السردية للمجموعة من (134) قصة قصيرة افتتاحية مكثفة الرموز بعنوان "رأسه بيت للناموس"، وهي الثيمة التي تمتد عبر نصوص متتابعة مثل "منفى الرأس" و"طريق العودة من رأسي". يتناول النص حكاية الطفل "سامر" البالغ من العمر اثني عشر عاما، والذي فقد يديه نتيجة القصف، ليصبح الفقد الجسدي لديه مجازا كليا لفقدان القدرة على الفعل والمقاومة المادية. يتجلى الإبداع النقدي في وظيفة الناموسة وطنينها داخل الخيمة، فالناموسة هنا تتجاوز وجودها البيولوجي لتقوم بوظيفة البديل النمطي للـ "كواد كابتر" أو الطائرة المسيرة التي استقرت صداها في الذاكرة الانفعالية للطفل، يعاني الطفل من وهم اختراق الطنين لداخل رأسه، ليصبح رأسه "منفى" محتلاً بالخوف ورموز الحرب. تظهر الأم في هذا السياق بوصفها ملاذا حانيا وملاذا للوعي، تحاول إعادة ترميم العالم المنهار لابنها عبر الحوار، محولة الاستسلام إلى استجابة خلاقة، حيث تتكامل مأساة "سامر" بلا يدين مع مأساة الطفل "جود" الذي فقد وجهه ومحو قناعه الأبيض ملاقحا للهوية المشوهة، والطفل الصامت "فارس" الذي أخرسه موت والده. ينتهي هذا المسار القصصي بابتكار ذكي يجسد طاقة الخيال الإيجابية حين يبتكر سامر بمساعدة أصدقائه "خوذة هشة الناموس" مجهزة بمروحة صغيرة وشرائط، ليتحول الجسد المبتور والوعي الجريح إلى طاقة اختراع تتصدى للهلع الداخلي.

تنتقل المجموعة بعد ذلك لمقاربة تجربة "لؤي" عبر متوالية سردية تبدأ بقصة "ضوء أسرع من ظل" وتتوزع على نصوص متصلة كـ "الصمت المربك"، "في الممر الرمادي"، "لائحة الأسماء"، و"العبور الثاني" وصولاً إلى "الطريق إلى الأوروبي" و"ما بعد العودة". يتناول السرد رحلة لؤي المعذبة على شارع الرشيد بغزة، ذلك الشارع الذي تحول من شريان للمدينة إلى مقصلة تحت وطأة استهداف الطائرات والقناصة. يتناول الكاتب لحظة الإصابة وانشطار الجسد والروح، ليصور البطل محاصرًا بين الخوف على أمه الرافضة للنزوح والبحث عن زوجته "غادة" وأطفاله الثلاثة "عبود، لينا، وحمزة" الذين نزلوا جنوبًا. عبر تتبع حركة البطل التنقلية بين المضافات والمشافي الميدانية مثل مستشفى العودة بالنصيرات ومستشفى ناصر بخان يونس ثم المستشفى الأوروبي برفح، تكشف المجموعة عن البنية التفكيكية للنزوح. تتجلى السخرية السوداء والمأساة الأكاديمية في عبارات الممرضين والنازحين التي تحيل الإنسان إلى مجرد "اسم في دفتر" أو "امرأة مجهولة الهوية"؛ حيث يتحول الأمل الإنساني إلى محرك عنيد يتحدى أرقام الضحايا وقوائم المفقودين ليتحقق اللقاء في نهاية المطاف داخل غرفة فصل ممتلئة بالركام التحقت بها الحياة من جديد.

تكتمل الرؤية الفاجعة في قصص الفقد الكلي مثل "لم ينتظرني أحد"، حيث يعود الشخصية السردية "سامر" إلى بيته ليدرك أن المهلة الزمنية التي طلبها لإحضار السيارة كانت كافية لتبخير عائلته وزوجته "ندى" وطفليه تحت أنقاض المنزل. يرصد الكاتب انكسار الزمن عند لحظة القصف، وتتحول فردة الحذاء الزهري للطفلة "ليان" إلى بؤرة مكثفة تلخص حضور الغياب، ليتجول الزوج في الحارة لا بوصفه رجلاً حياً، بل بقايا روح تتحدث مع طيف زوجته المفقودة حتى ينتهي به المطاف ميتاً تحت شجرة زيتون عتيقة وهو يحتضن صورتهم العائلية الأخيرة. وفي نص "الحمالة الأخيرة"، يتجاوز السرد الحدود التقليدية للمأساة السردية ليدخل حقل الفانتازيا الواقعية السوداء، حيث يُضطر مهند ورفاقه بعد تشييع أخيه الشهيد أنس إلى كسر الحمالة الخشبيّة للجنازة ثم دكة غسل الموتى في المسجد من أجل إشعال النار والتصدي لبرد الليل القارس.

ينشأ هنا صراع أخلاقي وديني عميق يمثله الشيخ الرافض لسرقة مقتنيات المسجد، ليتحول الخشب المحروق إلى رمز لانكسار مقدس الجنازة وتعرية عجز الوجود الإنساني تحت وطأة الحصار والحاجة.

تتوالى الرؤى النقدية الأدبية في نصوص المجموعة المتبقية، كما في "طوق موسى" التي تضع المفارقة الغربية والأخلاقية على المحك، حيث يتم إخلاء الحمار "موسى" ورعايته في ملاجئ أوروبية مرفهة وتصويره كرمز لحقوق الحيوان في زمان الحرب، بينما يُحرم صاحبه الفلسطيني وعائلته من أدنى حقوق النجاة والإجلاء الإنساني تحت ذرائع الأمن والدواعي السياسية. وتظهر السخرية المؤلمة جليًا في "ليلة الدجاج المنتظر" و"حكاية دجاجة لم تصل"، حيث يتحول البحث عن دجاجة بسيطة وسط مجاعة الحصار إلى ملحمة وطنية هزليّة وحلم جامعي يعيد صياغة مفهوم الكرامة والانتظار.

وتتجلى نصوص "ولادة جيل بلا وجه"، "نتقاسم الألم"، و"ساحة لا تعرف الرحمة" لتراقب تحولات المجتمع تحت وطأة المجاعة وشراسة البقاء، حيث يتقاسم زوج وزوجته مبتورا القدمين كرسياً متحركاً واحداً، وحيث تتصارع النفوس حول سلال التموين حتى تُبتر الساق والضمير معاً.

إن مجموعة "حوار بين قذيفتين" للقاص عاطف سلامة تمثل شهادة أدبية وصحفية رفيعة المستوى، تغوص عميقاً في تفاصيل الألم الإنساني دون مساس بجودة الصنعة الفنية، حيث تمتزج الشاعرية بالنقد الاجتماعي والسياسي المباشر لتقدم نصًا يعيد صياغة أدب المقاومة والذاكرة، متجاوزًا التوثيق السطحي للأحداث ليصبح وثيقة جمالية تخلد شهداء الكلمة والمكان.

ويختم عاطف سلامة، قصصه: "لم تنته الحرب، ولم يأتِ العدل، لكن بقي في الأرض من يروي الحكايات.. حكايات لا تُقرأ فقط، بل تبكى.. وتظل غزة، رغم الخراب، تتنفس بألف قصة، النفس الأخيرة... هو أول فصل في الحياة القادمة".


مشاهدات 83
الكاتب علي الدليمي
أضيف 2026/08/08 - 3:13 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 7:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 306 الشهر 7898 الكلي 16097602
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير