حين يصبح الإصلاح قراراً.. من كربلاء إلى معركة الدولة ضد الفساد
عصام البرّام
كل عام، يعود العراقيون إلى استذكار ثورة الإمام الحسين، ليس لأنها حدث تاريخي عابر، بل لأنها تمثل في الوعي الجمعي العراقي رمزاً للوقوف بوجه الانحراف والتمسك بالإصلاح مهما كانت التضحيات. وما يمنح هذه المناسبة حضورها الدائم ليس البعد الديني وحده، وإنما الرسالة الإنسانية والسياسية التي حملتها، وهي أن أي مجتمع لا يمكن أن يستقيم إذا استسلم للفساد أو قبل بتحويل السلطة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة على حساب الناس.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن تحويل هذه القيم إلى مشروع وطني معاصر؟ وكيف يمكن للعراق أن يستلهم من تلك الرسالة إرادة حقيقية لبناء دولة تحترم القانون وتنتصر للمواطن؟
الجواب يبدأ من الاعتراف بأن الفساد لم يعد مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات مالية، بل أصبح أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية خلال العقود الماضية. لقد أضاع الفساد مليارات الدولارات، وعطل مشاريع استراتيجية، وأضعف مؤسسات الدولة، وخلق فجوة كبيرة بين المواطن ومؤسساته، حتى بات كثير من العراقيين يرون أن الفساد هو العائق الأول أمام التنمية والاستقرار.
وإذا كانت الدول تخوض حروباً للدفاع عن حدودها، فإن العراق يخوض منذ سنوات حرباً من نوع آخر، حرباً ضد منظومة معقدة من المصالح والامتيازات التي استفادت من ضعف الرقابة وتداخل السياسة بالإدارة، وتحولت في بعض الأحيان إلى شبكات قادرة على حماية نفسها وإعاقة أي محاولة للإصلاح.
لكن التاريخ يعلمنا أن لا دولة يمكن أن تنهض إذا ترددت في مواجهة الفساد، ولا إصلاح يمكن أن ينجح إذا بقي مجرد شعارات ترفع في المناسبات. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول الإرادة السياسية إلى قرارات تنفيذية، وعندما يشعر الجميع أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.
من هنا تبرز أهمية الدور الذي يقوم به رئيس مجلس الوزراء. فالمسؤولية التي يتحملها اليوم ليست مسؤولية إدارة حكومة فحسب، وإنما مسؤولية قيادة معركة وطنية تستهدف إعادة الاعتبار للدولة وهيبتها. وهذه المعركة لا تقاس بعدد التصريحات أو البيانات، بل بما يتحقق على أرض الواقع من إجراءات رادعة واسترداد للأموال العامة، وإحالة المتورطين إلى القضاء، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام.
إن العراقيين لا ينتظرون معجزات، لكنهم يتطلعون إلى دولة قوية لا تعرف المجاملة عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطنين. وهم يدركون أن مواجهة الفساد ليست مهمة سهلة، لأن الفاسدين غالباً ما يمتلكون أدوات للدفاع عن مصالحهم، ويحاولون تعطيل كل مشروع إصلاحي يهدد نفوذهم. ولهذا فإن نجاح أي حكومة في هذه المهمة يتطلب إرادة ثابتة لا تتراجع أمام الضغوط، ولا تسمح بتحويل مكافحة الفساد إلى انتقائية أو تصفية حسابات سياسية.
إن المرحلة الحالية تمنح الحكومة فرصة تاريخية لترسيخ مفهوم الدولة التي لا يحتمي فيها أحد بمنصبه أو انتمائه السياسي أو نفوذه المالي. فالمواطن لا يهمه اسم الفاسد ولا الجهة التي ينتمي إليها، بقدر ما يهمه أن يرى القانون وهو يطبق بعدالة، وأن يشعر بأن المال العام مصان، وأن ثروات العراق تعود إلى العراقيين جميعاً.
وليس من الإنصاف أن تختزل معركة مكافحة الفساد في الداخل فقط، لأن الأموال المنهوبة كثيراً ما تعبر الحدود، والاستثمارات الوهمية والصفقات المشبوهة قد تمتد إلى خارج البلاد. لذلك فإن أي استراتيجية وطنية ناجحة يجب أن تجمع بين الملاحقة القانونية داخل العراق، والتعاون الدولي لاسترداد الأموال وملاحقة المتورطين أينما كانوا، وفق الأطر القانونية والاتفاقيات الدولية.
كما أن هذه المعركة لا يمكن أن تعتمد على الأجهزة الرقابية وحدها، بل تحتاج إلى إصلاح إداري شامل، وتحديث الأنظمة المالية، ورقمنة الخدمات الحكومية، وتقليص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وإغلاق المنافذ التي يتسلل منها الفساد. فالوقاية من الفساد لا تقل أهمية عن معاقبة الفاسدين.
إن استحضار ثورة الإمام الحسين في هذا السياق لا يعني استدعاء الماضي بقدر ما يعني استحضار قيمة الإصلاح بوصفها مسؤولية وطنية مستمرة. فالأمم لا تتقدم عندما تكتفي بتمجيد تاريخها، بل عندما تجعل من مبادئها قوة دافعة لبناء حاضر أفضل ومستقبل أكثر عدلاً.
واليوم، يقف رئيس مجلس الوزراء أمام اختبار تاريخي حقيقي. فكل خطوة جريئة لتعزيز النزاهة، وكل قرار يرسخ سلطة القانون، وكل إجراء يحمي المال العام، يمثل رسالة طمأنة للمواطن بأن الدولة قادرة على استعادة ثقة شعبها. وفي المقابل، فإن أي تهاون مع الفساد، أو أي تأخير في محاسبة المتورطين، يمنح شبكات الفساد فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسها.
إن العراقيين، وهم يستذكرون هذه المناسبة العظيمة، لا يريدون أن تبقى قيم الإصلاح مجرد شعارات تتردد في الخطب، وإنما يتطلعون إلى أن تتحول إلى سياسات حكومية وإجراءات عملية وقرارات شجاعة تعيد للدولة هيبتها، وللقانون مكانته، وللمواطن ثقته بوطنه.
لقد آن الأوان لأن تكون مكافحة الفساد مشروعاً وطنياً لا يخضع للمساومات، ولا يعرف الخطوط الحمراء إلا تلك التي يرسمها الدستور والقانون. فالعراق يمتلك من الثروات والكفاءات والإمكانات ما يؤهله لأن يكون في مصاف الدول المتقدمة، لكن ذلك لن يتحقق ما دام الفساد يلتهم الموارد ويبدد الفرص.
ويبقى الرهان الأكبر على استمرار الإرادة السياسية في هذه المواجهة، لأن التاريخ لا يخلد من ترددوا، بل يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة القرار عندما كانت أوطانهم بحاجة إلى القرار. وإذا استطاعت الحكومة أن تواصل هذه المعركة بثبات، وأن تجعل من النزاهة أساساً للإدارة، فإنها لن تكون قد حققت إنجازاً حكومياً فحسب، بل ستكون قد وضعت العراق على الطريق الصحيح نحو بناء دولة قوية، عادلة، وقادرة على حماية ثرواتها وحقوق أبنائها، وهي الغاية التي تلتقي عندها كل مشاريع الإصلاح الحقيقي.