الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا نجحت الصين حيث تعثّر الإتحاد السوفيتي وإيران؟

بواسطة azzaman

حين تنتصر الدولة على الأيديولوجي

لماذا نجحت الصين حيث تعثّر الإتحاد السوفيتي وإيران؟

احمد عناد

 

شهد القرن العشرون وبدايات القرن الحادي والعشرين ثلاث تجارب أيديولوجية كبرى، انطلقت كل واحدة منها وهي تحمل مشروعاً يتجاوز حدودها الجغرافية. اختلفت المرجعيات الفكرية، لكن السؤال بقي واحداً: هل تستطيع أي أيديولوجيا أن تستمر إذا لم تنجح أولاً في بناء الدولة والإنسان؟

أولاً: الاتحاد السوفيتي… الثورة التي أرادت تغيير العالم

بعد ثورة عام 1917، لم يكتفِ الاتحاد السوفيتي ببناء نظام اشتراكي داخل حدوده، بل رأى نفسه قائداً لثورة عالمية. فأنشأ الأممية الشيوعية، ودعم الأحزاب الشيوعية في مختلف القارات، وخاض حرباً باردة استمرت عقوداً مع الغرب.

امتلك السوفييت قوة عسكرية هائلة، ووصلوا إلى الفضاء قبل الولايات المتحدة، وحققوا إنجازات علمية وصناعية مهمة، لكن المواطن السوفيتي كان يعيش اقتصاداً يعاني من نقص السلع، وضعف الحوافز، وبيروقراطية خانقة.

كانت الدولة قوية… لكن المجتمع كان يزداد ضعفاً.

وحين اجتمعت أزمات الاقتصاد، وسباق التسلح، والجمود السياسي، انهارت الإمبراطورية في عام 1991، وانكمش المشروع الذي كان يريد قيادة العالم.

طموح عالمي

ثانياً: إيران… الثورة التي صدّرت العقيدة

جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 وهي تحمل مشروعاً مختلفاً في مرجعيته، لكنه متشابه في طموحه العالمي.

رفعت شعار “تصدير الثورة”، واستثمرت خلال أكثر من أربعة عقود في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة خارج حدودها، وسعت إلى امتلاك قوة ردع كبيرة عبر برنامجها الصاروخي والنووي.

حققت نفوذاً إقليمياً لا يمكن إنكاره، وأصبحت لاعباً رئيسياً في ملفات المنطقة.

لكن في المقابل، واجه الداخل الإيراني أزمات اقتصادية متكررة، وارتفاعاً في التضخم، وتراجعاً في قيمة العملة، وهجرةً للكفاءات، واحتجاجات اجتماعية متكررة.

وهنا يبرز السؤال نفسه الذي واجه الاتحاد السوفيتي من قبل:

هل يستطيع المشروع الخارجي أن يستمر إذا أصبح المواطن يشعر بأن كلفة هذا المشروع أكبر من عوائده عليه؟

ليس من المؤكد أن إيران ستسلك الطريق ذاته الذي سلكه الاتحاد السوفيتي، فلكل دولة ظروفها الخاصة، لكن التاريخ يعلمنا أن قوة الخارج لا تعوض ضعف الداخل إلى ما لا نهاية.

ثالثاً: الصين… عندما تغيرت الأولويات

الصين بدأت من المرجعية الشيوعية نفسها التي انطلق منها الاتحاد السوفيتي.

ماو تسي تونغ كان يؤمن بأن الثورة الشيوعية يجب أن تنتشر خارج الصين، وإن لم يكن بنفس الأسلوب الذي اتبعه الاتحاد السوفيتي

حركات شيوعية وثورية في آسيا وإفريقيا.

حركات تمرد في جنوب شرق آسيا، مثل ماليزيا وتايلاند.بعض الحركات في إفريقيا خلال مرحلة التحرر من الاستعمار.

قدمت دعماً سياسياً وعسكرياً لبعض الحركات التي تبنت الفكر الماوي

 

لكنها، منذ إصلاحات دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، اتخذت قراراً مختلفاً.

لم تتخل عن الحزب الشيوعي، لكنها تخلت عن كثير من الجمود الاقتصادي.

ولم تجعل تصدير الثورة هدفها الأول، بل جعلت الأولوية لبناء الاقتصاد، ومحاربة الفقر، وتشجيع الصناعة، والانفتاح على الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات، وتطوير التعليم والتكنولوجيا.

تحول شعارها العملي إلى:

إذا أردت أن تصبح دولة مؤثرة، فابدأ ببناء مواطن قوي واقتصاد قوي.

واليوم أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر مصنع على وجه الأرض، وتملك نفوذاً عالمياً هائلاً، ليس لأنها صدّرت الثورة، بل لأنها صدّرت المنتجات، والتكنولوجيا، والاستثمارات، والبنية التحتية.

لقد حافظت على نظامها السياسي، لكنها غيرت أدواتها الاقتصادية.

ما الذي تعلمه التجارب الثلاث؟

التجارب الثلاث تثبت أن الأيديولوجيا وحدها لا تصنع دولة عظيمة.

يقول كثير من الباحثين إن الصين استبدلت تصدير الثورة بتصدير التنمية، أو بتعبير آخر: استبدلت الأيديولوجيا بالاقتصاد

فالنفوذ العسكري مهم، لكنه لا يغني عن اقتصاد منتج.

والشعارات الثورية قد تحشد الجماهير زمناً، لكنها لا تكفي لإقناع الأجيال الجديدة إذا غابت فرص العمل، والتعليم، والعدالة، والازدهار.

والدولة التي تستثمر في الإنسان، وفي العلم، وفي الإنتاج، تستطيع أن تبني نفوذاً خارجياً أكثر استدامة من دولة تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الخطاب العقائدي.

الخلاصة

ربما لم يكن الخطأ في الاتحاد السوفيتي أنه كان شيوعياً، ولا في إيران أنها تبنت مشروعاً دينياً.

وربما لم يكن سر نجاح الصين أنها تخلت عن الشيوعية بالكامل.

بل إن الفارق الحقيقي كان في ترتيب الأولويات.

الاتحاد السوفيتي جعل الثورة العالمية تتقدم على بناء الاقتصاد، فانهار.

وإيران أعطت المشروع الإقليمي مساحة كبيرة بينما بقي الداخل يواجه تحديات متراكمة.

أما الصين فقد جعلت بناء الدولة والمواطن أساس القوة، ثم تركت نفوذها الخارجي ينمو فوق قاعدة اقتصادية صلبة.

إن التاريخ لا يقول إن الأيديولوجيات تموت، بل يقول إن الأيديولوجيا التي تنسى الإنسان، وتؤجل رفاهيته، وتستهلك موارد الدولة في صراعات الخارج، قد تكتشف متأخرة أن أكبر معركة كانت تنتظرها في الداخل.

وأضيف فكرة أراها مهمة جداً، وقد تكون هي الرسالة المركزية للمقال كله:

الأيديولوجيا ليست سبب الفشل بحد ذاتها؛ فالشيوعية نجحت اقتصادياً في الصين، والرأسمالية فشلت في دول كثيرة. إنما معيار النجاح هو: هل جعلت الدولة الإنسان محور مشروعها، أم جعلته وقوداً لمشروعها؟

 


مشاهدات 71
الكاتب احمد عناد
أضيف 2026/08/08 - 2:42 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 7:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 306 الشهر 7898 الكلي 16097602
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير