الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حامد خضير الشمري.. الشاعر الذي عبر من حدائق الحب إلى خنادق الحرب، ثم عاد إلينا  من أبواب التصوف


حامد خضير الشمري.. الشاعر الذي عبر من حدائق الحب إلى خنادق الحرب، ثم عاد إلينا  من أبواب التصوف

عبدالكريم الحلو

 

رفقة مشرفة امتدت أكثر من خمسة عشر عامًا، وأثمرت اكثر من خمسين دراسة نقدية

( ستكون كتاب مشترك بيننا )

 

????  أحبتي الكرام :

لم تكن رحلتي مع شعر حامد خضير الشمري رحلة ناقد يقرأ شاعرًا، ثم يكتب عنه، ثم يغلق الكتاب ويمضي.

 

كانت رحلة عمرٍ نقدية طويلة، بدأت من القصيدة، لكنها انتهت إلى الإنسان.

 

أكثر من خمسة عشر عامًا وأنا أراقب هذا الشاعر وهو يتغير أمامي، لا في لغته وحدها، وإنما في مزاجه الشعري، وفي رؤيته للحب والحرب والموت والقداسة والمرأة والروح.

 

وقدمت خلال هذه الرحلة أكثر من خمسين دراسة نقدية عنه، لم تكن كلها تكرارًا لقراءة واحدة، لأن حامد الشمري نفسه لم يكن شاعرًا يكرر نفسه.

 

كلما ظننت أنني أمسكت بمفتاح تجربته، اكتشفت أن بابًا آخر قد فُتح.

وهنا تكمن قيمة الشاعر الحقيقي.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  من القرية إلى بغداد …

" حين كان الحب أول القصيدة "

اليوم أحاول ، حين أقرأ حامد الشمري،

أن أعود به إلى البدايات.

إلى ذلك الفتى الذي خرج من إحدى قرى بابل الأثرية، يحمل معه رائحة الأرض والطفولة والريف، ثم وصل إلى جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم اللغة الإنكليزية.

 

هناك، في بغداد، تغيرت أشياء كثيرة.

كان أمامه عالم مختلف : الجامعة، المدينة، الثقافة، الأناقة، الجمال، الطالبات، الكتب، اللغة، والاقتراب الأول من عالم المدينة.

 

وهناك أيضًا كان الحب ينتظره.

لم يكن الحب عند حامد في بداياته مجرد موضوع شعري، بل كان اكتشافًا للذات.

 

كان الشاعر الشاب يرى المرأة بوصفها دهشة، والقصيدة بوصفها نافذة، والحياة بوصفها احتمالًا مفتوحًا.

 

ولذلك جاءت قصائده الأولى مشبعة بمزاج عاطفي واضح، فيه الكثير من الرقة، والكثير من الحلم، والكثير من ذلك الارتباك الجميل الذي يصيب الإنسان عندما يكتشف للمرة الأولى أن قلبه لم يعد ملكه.

 

لكن العراق لم يمنح ذلك الفتى فرصة طويلة ليبقى عاشقًا.

" ثم جاءت الحرب… وانقلبت القصيدة"

الحرب العراقية الإيرانية لم تكن حدثًا خارج الشاعر حامد الشمري.

لقد دخلت الحرب إلى جسده،

وذاكرته، وعينيه، وقصيدته.

 

ذهب إلى الجندية،

ووجد نفسه في الجبهة.

هناك، لم تعد القصيدة حديقة.

صارت خندقًا.

 

لم يعد الشاعر يرى الوردة وحدها،

وإنما رأى النار التي يمكن أن تحرقها.

 

لم يعد يسمع همس الحبيبة ،

بل سمع الرصاص.

الدخان  ، الانفجارات ، خطوات الجنود.

الخوف ، الموت.

والإنسان الذي يخرج صباحًا إلى المعركة

 ولا يعرف إن كان سيعود مساءً.

 

◉  وهنا حدث الانقلاب الأول

       في المزاج الشعري.

لكن المفارقة المدهشة أن الحرب لم تستطع أن تقتل العاشق في داخله.

 

كان يمكن للدخان أن يغطي السماء،

لكن حدائق الجوري بقيت في روحه .

 

كان يمكن للرصاص أن يملأ المكان، لكن عطور الجميلات في ذاكرته لم تختف.

 

وهذه واحدة من أكثر المفارقات أهمية في تجربته :

أن الشاعر الذي دخل الحرب لم يخرج منها جنديًا فقط، بل خرج منها وهو يحمل داخله عاشقًا لم تستطع الحرب أن تهزمه.

وهنا بدأ حامد الشمري يكتب الإنسان في لحظة انكساره الكبرى.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  من الحب إلى الفقد  :

مضت السنوات مسرعة

كقطار الشرق الذي لا ينتظر أحدًا.

وكلما ابتعد الشاعر عن شبابه،

اقترب أكثر من الموت.

 

بدأت دائرة الأحبة تضيق.

وجوه تغيب  ،  أصدقاء يرحلون

شهداء يتركون أسماءهم في الذاكرة.

وأشخاص كانوا ذات يوم جزءًا من الحياة أصبحوا فجأة جزءًا من المراثي.

 

◉  وهنا تغيرت القصيدة مرة أخرى.

لم يعد السؤال :   من أحب  ؟

بل أصبح :   من فقدت  ؟

وهذا التحول في تجربة حامد مهم جدًا؛

لأن الحب في شعره لم يمت عندما جاء الفقد، بل تحول إليه.

 

فالحب الذي كان يبحث عن امرأة،

صار يبحث عن غائب.

 

والغزل الذي كان يتغنى بالحضور

 صار يتغنى بالذاكرة.

 

والمرأة التي كانت تسكن القصيدة أصبحت أحيانًا صورةً لكل ما فقده الإنسان.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  ثم اقترب من أهل البيت…

بعد الحرب والفقد، بدأت تجربته الشعرية تتحرك باتجاه آخر أكثر عمقًا.

 

اتجه إلى مديح أهل البيت ورثائهم، وهناك أخذت قصيدته مساحة جديدة من القداسة والذاكرة والتاريخ.

 

لم تعد القصيدة مجرد تعبير عن وجع شخصي ،  أصبح الوجع جزءًا من وجع جماعي ، وصار الدم في القصيدة ذاكرة، وصارت الشهادة سؤالًا عن الإنسان والحق والوفاء.

 

ومن هنا ارتبط اسم حامد الشمري عند كثير من قرائه بقصيدة أهل البيت حتى أصبح يُنظر إليه بوصفه شاعرًا من شعرائهم ومدافعًا عن ذاكرتهم الشعرية.

 

لكنني، كناقد، لم أتعامل مع هذه المرحلة باعتبارها نهاية التجربة.

بل كنت أرى أنها مرحلة انتقالية

نحو سؤال أكبر.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  و ماذا بعد ياشمري ؟

وماذا يفعل الشاعر حين يتجاوز الحزن على الإنسان إلى البحث عن معنى الإنسان؟

" وهنا بدأ حامد يفتح بابًا آخر في العشق "

 

◉  حامد الشمري يدخل منطقة الحلاج :

وهنا، في رأيي، تبدأ واحدة من أكثر مراحل تجربته إثارة للجدل وهي :  التصوف.

لم يعد الشاعر يريد أن يكتب عن الحب فقط.

 

◉ صار يريد أن يعرف : ما هو الحب  ؟

لم تعد المرأة هي المطلق.

بدأ المطلق نفسه يصبح موضوع العشق.

وهنا اقترب حامد من المنطقة الخطرة في الشعر  :  العشق الإلهي.

منطقة المتصوفة الذين لم يروا الله فكرة بعيدة، وإنما حقيقة تسكن أعماق الإنسان.

ولذلك كانت بعض قصائده الصوفية أشبه بمحاولة للذهاب إلى أقصى نقطة يمكن أن يصل إليها العاشق في علاقته بالمطلق.

 

ولقد واجهت هذه التجربة قراءات قاسية، ووصل بعض خصومها إلى التكفير، وكأننا عدنا إلى محاكمات الحلاج القديمة، ولكن بأسماء جديدة.

 

????  وهنا أقول  :

إن الشاعر الصوفي الحقيقي لا يدخل منطقة التصوف ليكتب عبارات دينية جميلة.

التصوف الحقيقي مغامرة في اللغة والوجود.

إنه سؤال عن الذات:

من أنا؟

ومن أنت؟

وأين تنتهي الذات ويبدأ المطلق ؟

 

ولهذا فإن قراءة حامد الشمري الصوفية

لا ينبغي أن تكون قراءة وعظية، وإنما ينبغي أن تُقرأ بوصفها تجربة شعرية وفلسفية وروحية فريدة .

 

????  حين دخل حامد الشمري صومعة المتصوفة مثل  الحلاج والنفري وابن عربي

ولعل أهم ما يمكن أن نخلص إليه، ونحن نتتبع مسيرة حامد خضير الشمري الشعرية، أن الشاعر لم يبقَ أسير مزاج شعري واحد.

 

???? وهنا تغير المزاج الشعري :

لم يعد الشاعر يكتب لأنه عاشق فحسب،

بل لأنه صار يبحث عن معنى العشق نفسه.

 

ولم تعد القصيدة تكتفي بأن تقول: «أحب»، وإنما أخذت تسأل:

ما الحب؟

وما الذي يجعل الإنسان يبحث في الآخر عن صورته الغائبة؟

وأين ينتهي المحبوب وتبدأ الحقيقة؟

 

في هذه النقطة تحديدًا، أجد أن حامد الشمري اقترب من عتبة الحلاج، لا بمعنى تقليد تجربته أو استعارة لغته، وإنما بمعنى الانتقال من الحب بوصفه إحساسًا إلى الحب بوصفه كشفًا.

 

ثم تأتي النفّري، لا باعتباره شاعرًا يُقلَّد، وإنما باعتباره تجربة في الوقوف أمام المجهول؛ حيث تصبح القصيدة أقل انشغالًا بالقول وأكثر انشغالًا بما وراء القول. وهنا يبدأ الصمت في شعر الشمري بأداء وظيفة شعرية؛ فالمعنى لا يعود جاهزًا، وإنما يصبح منطقة يتعين على القارئ أن يدخلها ويتأملها.

 

أما ابن عربي، فإن حضوره المحتمل في هذه المرحلة لا يكون حضور المصطلح الصوفي وحده، بل حضور الرؤية؛

رؤية ترى العالم شبكة من التجليات، وترى الإنسان مرآةً لوجود أكبر منه، وترى الحب طريقًا من المحسوس إلى المعنى.

 

وهكذا يمكن أن نقول إن حامد الشمري لم ينتقل من الشعر الغزلي إلى الشعر الصوفي انتقالًا مباشرًا، وإنما تدرّج من العشق إلى المعرفة.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  وهذا هو التحول الأعمق

        في مزاجه الشعري.

فالشاعر الذي كان يرى الجمال في وجه امرأة، بدأ يرى وراء الجمال سؤالًا عن الوجود.

 

والذي كان يكتب عن الحبيبة بوصفها وطنًا للروح، أخذ يفتش عن الوطن الأبعد الذي لا تحده جغرافيا ولا زمن.

 

والذي كان يكتب من داخل التجربة، أخذ يكتب من حافتها، مراقبًا تحولات الإنسان وهو يصطدم بالموت والحرب والفقد والحب والبحث عن المعنى.

 

ومن هنا يصبح دخول حامد الشمري إلى «محراب الحلاج والنفري وابن عربي» تعبيرًا نقديًا عن تحول في وعي القصيدة،

لا مجرد تحول في مفرداتها.

 

لقد انتقل الشاعر من قصيدة تُغنّي ما تشعر به الذات، إلى قصيدة تسأل عمّا يجعل الذات تشعر.

وهنا، تحديدًا، يصبح مزاج حامد الشمري أكثر تعقيدًا:

لم يعد مزاج العاشق الذي يريد امتلاك الجمال، بل مزاج العارف الذي يخشى أن يكون الجمال بابًا إلى سر لا يستطيع امتلاكه.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  ولذلك فإن قراءة تجربته

 لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال:

كيف تغيرت لغته؟

 

بل ينبغي أن تتقدم إلى السؤال الأعمق:

كيف تغير الإنسان داخل قصيدته؟

 

فثمة شاعر كتب الحب لأنه أحب، وشاعر كتب الألم لأنه تألم، لكن حامد الشمري، في مراحل نضجه، بدأ يكتب الحب والألم والحرب والغياب بوصفها أبوابًا تؤدي إلى سؤال واحد:

من نحن حين تسقط عن أرواحنا كل الأقنعة؟

 

وهنا تنتهي رحلة القصيدة، لا إلى جواب، وإنما إلى مقام آخر من الأسئلة.

 

وهذا، في تقديري، هو أجمل ما يمكن أن يحدث لشاعر :

أن يبدأ شاعرًا يرى العالم بعينيه، ثم ينتهي شاعرًا يحاول أن يرى عينيه هو داخل العالم.

 

لقد تغير مزاج حامد الشمري، لأن الحياة غيرت أسئلته؛ وحين تغير السؤال، تغيرت القصيدة، ودخل العاشق معبد العارف

 

قد منح المرأة مزيدا من الهيبة والإجلال، واضفى عليها هالــة من القداسة، فتسامت على كل المخلوقـــات، بعد صياغتها بصورة نقيــة طاهرة وجذابــة .

 

خلافا للكثير من الشعراء الذين اتخذوا من المرأة موضوعا مثيراً من خلال الوصف الحسي الفاضح طمعا في مداعبة غرائز القراء ومن ثم نيل إعجابهم، بدون أدنى اهتمام للجانب الأخلاقـــي .

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  وأخيراً عاد… حقول إلى البنفسج

والمدهش في حامد أنه لا يستقر طويلًا في منطقة واحدة.

 

بعد التصوف، يعود فجأة إلى المرأة.

لكنها ليست المرأة الأولى.

إنها امرأة مرّت بكل شيء.

امرأة أصبحت ذاكرة.

أصبحت ظلًا.

أصبحت جزءًا من تكوين الشاعر.

وفي قصائد البنفسج، وجد حامد طريقته الخاصة في العودة إلى الحبيبة.

 

إنها الحبيبة التي لا تحتاج إلى أن تكون حاضرة في الواقع كي تكون حاضرة في الشعر.

 

لقد غادرت ربما المكان،

لكنها لم تغادر الذاكرة.

 

غادرت الحياة اليومية،

لكنها بقيت في الجمجمة.

 

وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم المسافة التي قطعها الشاعر  :

 

الحبيبة لم تعد تسكن القلب فقط…

لقد أصبحت جزءًا من بنية الذاكرة.

 

وهكذا يعود حامد إلى الحب،

لكنه لا يعود إليه كما كان.

 

يعود إليه بعد الحرب، وبعد الفقد، وبعد المراثي، وبعد القداسة، وبعد التصوف.

 

وهنا يصبح الحب أكثر نضجًا.

أكثر وجعًا.... وأكثر فلسفة.

 

        ــــــــ  ????  ــــــــ  ????  ــــــــ

 

????  وأنا… ماذا كنت أفعل

        طوال هذه السنوات ؟

 

كنت أراقب ، اتفحص  ، أدقق

وأحيانًا كنت أصفق لما يعجبني.

وأحيانًا كنت أختلف معه.

وأحيانًا كنت أقف أمام قصيدته وأقول له: هنا أنت شاعر كبير.

 

وأحيانًا أخرى كنت أقول: هنا كان ينبغي أن تكون أكثر اقتصادًا، أو أكثر تكثيفًا، أو أكثر جرأة.

 

لانني لم أكن أبحث عن شاعر أمدحه.

كنت أبحث عن شاعر أستطيع أن أختلف معه ، وهذه هي الصداقة الحقيقية بين الناقد والشاعر.

 

أن لا يصبح الناقد تابعًا للشاعر.

ولا يصبح الشاعر أسيرًا لرأي الناقد.

 

لقد قرأت حامد الشمري أكثر من مرة، وكتبت عنه أكثر من خمسين دراسة، وفي كل مر


مشاهدات 30
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/09/26 - 1:51 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 2:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 234 الشهر 43964 الكلي 16576484
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير