الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وصيّةُ الأرضِ لأبنها الأخير

← بواسطة azzaman

وصيّةُ الأرضِ لأبنها الأخير

عصام البرّام 

 

يا أرضُ…
يا آخرُ ما ورثتْهُ يدُ الآلهةِ حين نامتْ على كتفِ الطوفان،
وأوّلُ ما استيقظَتْ عليه قلوبُ البشر.
تمدّين كفَّكِ من تحتِ الترابِ،
فتنبتُ في أصابعكِ أنهارٌ تُربّي غناءَ القمح،
وتلوّحينَ للريحِ كي لا تضلَّ طريقَها نحو البيوت
التي ما زالت أبوابُها تقيسُ نبضَ الغائبين.

يا أرضُ…
نحنُ الذين وُلدنا من فمِ صخرةٍ
وارتوينا من لغوِ الغيمِ حين احترقَ الليلُ،
ونحن الذين تركنا في كاحلكِ وصيّةَ الأجداد:
"إن خفَّتْ خطانا… فاحملي عنا ما تبقّى من الطريق."

نجيءُ إليكِ
كما جاءَ أوديسيوس من تعبِ الموج،
مُثقلينَ بحكاياتٍ من أضلعِ البحرِ،
ونعودُ إليكِ كلما طال بنا التيهُ،
فنجدُكِ تجلسين على صخرةٍ من نور،
تصلحينَ عطبَ الذاكرة،
وتعلمينَنا أن النسيانَ خطيئةٌ
ليست أقلَّ من الرحيل.


يا جرحاً يرفضُ أن يشيخ،
ويا أمّاً تُحيكُ من ظلّها عباءةَ مقاتل.
نحنُ قومٌ
ينامُ في جفونهم رمادُ الأساطير،
ويستيقظُ في أصواتهم نسرٌ
يُحدّقُ في الفجرِ
كأنه مُكلّفٌ بفرزِ أرواحِ الشجعان
عن أرواحِ المتعبين.

لا نُريدُ لحبرنا أن يموت،
ولا لخطواتنا أن تكون عابرةً
مثل غيمةٍ هاربةٍ من قدرها.
نريدُ لقلوبنا أن تكون
حارسةً لبوابةِ البلاد،
وعيوننا أن تكون
مسبحةً من الضوء
تعدُّ نبضَ السهول
وتُصغي لهديرِ الحصى تحت أقدام الذاهبين إلى الحدود.

 

يا أرضُ…
لقد منحناكِ أعمارَنا الصغيرة
كي تكبري،
ومنحنا الظلالَ أسماءنا
كي يطولَ صبرُ الأشجار.
وفي كلِّ مرةٍ
يُفتَحُ بابُ الغبارِ على مصراعيه،
ويتقدمُ الليلُ من جهاتٍ أربع،
نخرجُ من حافّاتِ العمر
نُرمّم ما سقطَ منّا
على سلالمِ الهواء،
ونكتبُ على كتفكِ اليسرى:
"ما زلنا هنا…
ما زال فينا ما يكفي
لنُعيد ترتيبَ النهار."


إنّا نحملُ المسؤولية كأنها نجمةٌ
لا ينبغي أن تسقط،
وكأنها سيفٌ
تلوّح به الآلهةُ كلما خانَ المحاربون ضوءهم.
نحفظُ من تاريخِكِ
ما يكفي لنمشي بلا خوف،
ونحفظُ من وجعكِ
ما يجعلُنا ندركُ أن الوطنَ
ليس خريطةً من خطوطٍ يابسة،
بل خطواتُ الذين عبروا
ولم يتركوا إلا صدى حناجرهم
ليدلّ علينا الطريق.

 

يا أرضُ…
أنتِ الأسطورةُ التي ما اكتملت،
والقصيدةُ التي ترفضُ أن تجلسَ
في قافيةٍ واحدة.
وفي داخلكِ
تترددُ أصداءُ أبطالٍ
لم يمنحهم التاريخُ إلا أسماءَ الريح،
ومع ذلك
ما زالت جراحُهم تُضيء
كلما مرّ الليلُ على صدورنا
متثاقلاً مثل أرقٍ قديم.

فامنحينا من صبركِ ما يكفي
لنحملَ هذا العناقَ الطويل
بين الإنسانِ والسماء،
ولينمو في حقولكِ
جيلٌ جديد
يجلسُ على ركبتي الحلم،
ويمسحُ بيده غبارَ الأجداد،
ويقول:
"هنا بدأنا…
وهنا لن ينتهي الطريق."

يا أرضُ…
ها نحن نقتربُ من ليلكِ
كما يقتربُ النجمُ من ندائه الأول،
نسعى إلى ظلكِ
كي نعود أطفالاً
يبحثون في جيبِ الغيم
عن قمحٍ يكفي ليومٍ آخر،
وعن أغنيةٍ تشيرُ إلى باب الفرح
كأنها تذكرةٌ خفيّةٌ
إلى ما تبقّى من الصباح.

نحملُ في صدورنا
حطباً من وصايا الأنبياء،
وننفخُ في الرماد
حتى يشتعلَ الحلمُ
في قلبِ جنديٍّ
نسيته الحروب على حافةِ الخندق،
فنهضَ يمسحُ من على كتفيه
ترابَ الخوف،
ويُعيد ترتيبَ العالم
على مقاسِ خطوةٍ
تعرّفتْ لتوّها إلى معنى الحرية.


نحنُ الذين كتبنا أسماءنا
على جناحِ الفينيق
كي نتعلمَ كيف ننهض
من رماد لا ينتهي،
ونحن الذين اختبروا
كلَّ خرائط الدم
قبل أن يفهموا
أن الطريق الحقيقي
هو ذاك الذي يصنعه القلب
حين يلتقي بالتراب
في لحظة صدقٍ
تشبهُ بداية الخلق.

 


مشاهدات 75
الكاتب عصام البرّام 
أضيف 2026/11/07 - 2:18 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 15172 الكلي 16665706
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير