الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أعداءٌ منْ ورق وبطولاتٌ منْ وهم

← بواسطة azzaman

أعداءٌ منْ ورق وبطولاتٌ منْ وهم

محمد خضيرِ الأنباريِ

 

ليستْ البطولة، أنْ تصنعَ لنفسك عدوا، ولا أنْ ترفعَ صوتك مدعيا أنك مستهدفٌ منْ دولٍ كبرى وأجهزة أمنية ومراكز نفوذٍ دولية، بلْ البطولة الحقيقية أنْ تمتلكَ موقفا صادقا، ورأيا مسؤولا، وسيرةً تستطيعُ الوقوفَ بها أمامَ الناسِ دونَ خوفٍ أوْ خجل، ليصنعوا المغمورينَ خصومهمْ ليصنعوا لأنفسهمْ مجدا زائفا.

في مجتمعاتنا، برزتْ في السنواتِ الأخيرةِ ظاهرةٌ تستحقُ التوقفَ والتأمل؛ ظاهرةْ قيامِ بعضِ الأشخاصِ الذينَ لمْ يجدوا لأنفسهمْ مكانةً اجتماعيةً أوْ ثقافيةً أوْ مهنيةً تليقُ بطموحاتهم، أوْ الذينَ مروا بإخفاقاتٍ وعقوباتٍ وإقصاءٍ منْ مواقعَ كانوا يشغلونها، فاختاروا طريقا آخرَ للظهور، عنوانهُ صناعةْ الأعداءِ الوهميين، وارتداء ثوبِ المحللِ السياسيِ والاستراتيجيِ والخبيرِ في شؤونِ الدولِ والأحلافِ والصراعاتِ الدولية.

ما إنْ يظهرْ أحدهمْ أمامَ وسائلِ الإعلامِ أوْ الكاميراتِ بالتحديد، حتى بدءِ روايةِ حكاياتِ الاستهدافِ والملاحقةِ والتهديدِ بالاغتيالِ والاختفاء، وكأنَ العالمَ بأسرهِ منشغلٌ بمراقبةِ تحركاته، وعواصمَ الدولِ الكبرى لا تنامُ بسببِ مواقفهِ وتصريحاته!

لوْ كلفَ المتابع عناء البحثِ في خلفيةِ بعضِ هذهِ الشخصياتِ ومسيرتها المهنية والعلمية، لوجدَ أنَ الصورةَ التي تسوقُ للجمهورِ قدْ لا تمتُ بصلةٍ إلى حقيقةِ التجربةِ أوْ المؤهلاتِ التي يجري الادعاءُ بها.

صناعةٍ متعمدةٍ

ليسَ الاعتراضُ هنا على حقِ الإنسانِ في التعبيرِ عنْ رأيه، أوْ نقدِ سياساتِ الحكومات، أوْ تحليل الأحداثِ الدولية، فذلكَ حقا مشروعا، بلْ هوَ ضرورة في المجتمعاتِ التي تحترمُ حريةَ الرأي. إنما تكمنُ المشكلةُ حينَ يتحولُ التحليلُ إلى تجارةٍ سياسية، والنقد إلى وسيلةٍ للابتزازِ المعنوي، والاختلافِ إلى صناعةٍ متعمدةٍ للفتن، وتصبحُ المبالغة والكذب والبكاء المصطنع أدوات لاستدرارِ التعاطفِ وانتزاعِ الشهرة، والأشدُ خطورةً أنَ بعضَ هؤلاءِ لا يتحدثونَ عنْ همومِ الناسِ بقدرِ ما يستخدمونَ همومهمْ سلما للصعود.

يخاطبونَ الفقراءَ الذينَ ينامُ بعضهمْ دونَ عشاء، والآباء العاجزينَ عنْ توفيرِ أبسطِ متطلباتِ أسرهم، والشبابِ الذينَ يبحثونَ عنْ فرصةِ عمل، ثمَ يدفعونَ بهمْ إلى معاركَ سياسيةٍ وعسكريةٍ لا يعرفونَ عواقبها، ويطالبونهمْ بإسقاطِ أنظمةِ دولٍ أخرى، والانخراط في صراعاتِ المحاور، والأحلافِ الدولية، وكأنَ كرامةَ المواطنِ تقاسُ بعددِ الحروبِ التي يؤيدها، لا بقدرتهِ على العيشِ الكريم، وتأمينِ مستقبلِ أبنائه. فهلْ سألَ هؤلاءِ أنفسهم:

 ماذا قدمتمْ للفقراء؟ أينَ برامجكمْ لمعالجةِ البطالةِ والفقرِ والفساد؟ هلْ أصبحَ رغيفُ الخبزِ أقلَ أهميةٍ منْ معارككمْ الافتراضية، وأصبحتْ حياةُ الناسِ أقلَ قيمةٍ منْ تصفيقِ جمهورٍ عابرٍ أمامَ شاشة؟إنَ أخطرَ ما في هذهِ الظاهرةِ ، هوَ تحويلُ البسطاءِ إلى وقودٍ لصراعاتٍ لا تخدمُ مصالحهم، وإشغالهمْ بأعداءٍ بعيدينَ عنْ حياتهمْ اليومية، بديلاً عنْ توجيهِ الأنظارِ إلى مشكلاتهمْ الحقيقية. وهنا نستحضرُ قولهُ تعالى: (ولا تقفُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ إنَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُ أولئكَ كانَ عنهُ مسؤول) (الإسراء: 36 ) .لعلَ بعضَ هؤلاءِ يذكرنا، منْ زاويةٍ مختلفة، بحكاياتِ المناصبِ السياسيةِ المتعاقبةِ في تاريخِ العراق، حتى ليخيلَ للمتابعِ أنَ صاحبها كانَ حاضرا في كلِ موقعٍ وكلَ مرحلة، كما ارتبطَ اسمُ المرحومِ (نوري السعيد) بتعددِ المناصبِ التي شغلها في العهدِ الملكي، غير أنَ الفارقَ كبيرٌ بينَ تعددِ المواقعِ الذي تصنعهُ الخبرةُ السياسية، وبينَ تعددِ الأقنعةِ الذي تصنعهُ الرغبةُ في الظهور.منْ عجائبِ هذهِ الشخصيات، أنها لا تكتفي باختلاقِ الخصوم، بلْ تمنحُ نفسها أدوار الضحيةِ والبطلِ في آنٍ واحد؛ فهيَ مستهدفة دائما، وملاحقة دائما، ومهددة دائما، وصاحبةْ الأسرارِ الخطيرةِ التي لا يعرفها غيرها! وكلما خفتَ بريقها صنعتْ أزمة جديدة، وأطلقتْ تصريحا أكثرَ إثارة، أوْ فتحتْ معركة جديدة معَ دولةٍ أوْ مؤسسةٍ أوْ شخصية، حتى تبقى حاضرة في المشهد، ولوْ على حسابِ الحقيقةِ واستقرارِ المجتمع.هنا نتذكرُ قولَ الإمامِ عليّ بن أبي طالبٍ (غ ) : (منْ ضاقَ صدرهُ اتسعَ لسانهُ ) ، وهيَ حكمةٌ تستحقُ التأملَ حينَ يصبحُ ارتفاعُ الصوتِ بديلاً عنْ قوةِ الحجة، وتتحولُ الضوضاءُ إلى وسيلةٍ لإخفاءِ فقرِ الموقفِ وضعفِ الدليل.إنَ الشعوبَ الواعية، لا ينبغي أنْ تمنحَ ثقتها لكلِ منْ يرفعُ شعار الوطنية، ولا أنْ تصدقَ كلّ منْ يدعي أنهُ مستهدفٌ بسببِ مواقفه، بلْ عليها أنْ تسألَ عنْ علمه، وتاريخه، ومواقفهِ السابقة، ومصادرِ معلوماته، وما إذا كانَ يقدمُ حلولاً أمْ يكتفي بإشعالِ الحرائق.إنَ الوطنَ لا يحتاجُ إلى تجارِ الأزمات، ولا إلى أبطالِ الشاشات، ولا إلى صانعي الأعداءِ منْ ورق، بلْ يحتاجُ إلى عقولِ تبن، وأقلامٍ تنير، ومواقف صادقة تحمي مصالحَ الناس، وتدافعُ عنْ كرامتهم. في النهاية، لكلِ مسرحيةِ ستارٍ يسدل، ولكلِ قناع لحظة يسقطُ فيها، ولكلِ روايةٍ زائفةٍ أوراق تنكشفُ مهما طالَ الزمن، عندها لا تنفعُ دموع الكاميرات، ولا ادعاءات الاستهداف، ولا الأعداء الذينَ جرى اختراعهمْ لتضخيمِ الذات؛ إذْ يكتشفُ الجمهورُ أنَ البطولةَ كانتْ وهما، وأنَ العدوَ كانَ منْ ورق، وأنَ الشهرةَ التي نية على التضليلِ لا تتركُ وراءها سوى الخيبةِ والسقوط. إنها نهايةُ البطولاتِ الفاشلةِ حينَ تنكشفُ الأوراق، ويسقطُ القناع، ويعودُ أصحابها إلى حجمهمْ الحقيقي؛ فلا يبقى لهمْ منْ التاريخِ سوى ضجيجِ عابر، وسمعةٍ أضاعوها بأيديهم.

 


مشاهدات 63
الكاتب محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/11/07 - 4:00 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 15172 الكلي 16665706
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير