الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنطباعات في عوالم نشأت الآلوسي الأخيرة.. ملحمة اللون بذاكرة بصرية مكتملة الأركان

← بواسطة azzaman

إنطباعات في عوالم نشأت الآلوسي الأخيرة.. ملحمة اللون بذاكرة بصرية مكتملة الأركان

بغداد – علي الدليمي

ضيفت قاعة أيقونة في العاشر من الشهر الجاري، وبحضور حشد فني كبير، معرض شخصي للفنان نشأت الألوسي بعنوان (انطباعات )، الذي يضم خلاصة تجربته الأخيرة في الرسم الواقعي، لكنها واقعية لا تقف عند حدود النقل، بل واقعية تستنطق التراب وتؤنسن المكان.

ما إن تدلف إلى القاعة حتى تشعر أنك لا تدخل معرضا، بل تدخل ذاكرة بصرية عراقية مكتملة الأركان، حكايات النخيل المثقلة، والشوارع التي تعرف خطى أهلها، والأزقة البغدادية التي تعبق بالأصالة، ووجوه الكادحين التي حفظت ملامحها الشمس. أعمال الألوسي ليست عوالم تصويرية مرسومة وحسب، إنها وثائق تنبض، ملحمة شعبية كتبت باللون لا بالحبر.

تتحرك تجربة الألوسي في فضاء تعبيري معاصر مطعم بروح انطباعية عميقة، يبني كتله بضربات فرشاة وسكين قوية وواثقة، لا تبحث عن التفاصيل الفوتوغرافية العابرة بل عن الجوهر، واللون عنده ليس عنصرا تزيينيا يضاف إلى اللوحة، بل هو طاقة مشحونة بالعاطفة والدفء، هو الموقف نفسه.

تدرجات اللون والأصفر الترابي المحترق والأزرق المائي العميق تتمازج بجرأة مع ومضات حية من الأحمر القاني والأخضر الداكن، لتصنع إيقاعا بصريا يفيض بالحركة والحنين في آن واحد.

الخط عنده قوي، حاسم، متوارث من سنوات طويلة قضاها في دار ثقافة الأطفال ومجلة ألف باء ومجلات دار المأمون للترجمة والنشر وفي الصحف، حيث كانت تخطيطاته تتميز بقوة الخط واستلهام أفكارها الشعبية الجميلة، تلك المرحلة التي صقلت يده وعلمته كيف يختزل الفكرة بضربة واحدة.

ثيمات الألوسي تتوزع بين الإنساني والوطني في نسيج واحد لا ينفصم، الإنسان العراقي حاضر كبطل أسطوري في يومياته، الصانع والفلاح والبائع المتجول والمرأة التي تحيك الثياب، ليسوا شخوصا عابرة بل وقار المكان وعراقة الصنعة.

حرف تقليدية

في لوحات الحرف التقليدية وصناعة النحاس، تشعر بثقل النحاس نفسه وبصوت المطرقة، وفي المقابل، هناك دراما الوجود الكبرى، جموع المهاجرين والهاربين عبر البحار، كتل بشرية متداخلة مرسومة بقلق نبيل يذكرنا بالجداريات التاريخية التي وثقت مأساة الإنسان وكرامته في آن، الأمل ممزوج بالخوف والرحلة الأبدية مع القدر.

ثم هناك فسحة للتنفس، فضاءات الطفولة والطبيعة، أطفال على الشواطئ أو في الحقول، رقة وعفوية تحاول أن تستعيد براءة العالم وسط صخب الحياة، كأن الفنان يريد أن يقول إن الذاكرة رغم قسوتها لا تزال قادرة على الحلم.

ومن يتأمل تجربة الألوسي يجدها تقترب روحيا من محطات كبرى في تاريخ الفن دون أن تذوب فيها، تقترب من مدرسة الفن الاجتماعي والتعبيرية الأوروبية، من روح أميليو إستراك أو ألكسندر كالو في الاهتمام بالطبقات الكادحة وتصوير الجموع بكتل ضخمة تضج بالحركة، وتقترب من روح فان كوخ في معالجة الأثر اللوني والخطوط المحيطة بالكتل التي تمنح الأشكال طاقة نابضة لا ساكنة.

ومحليا أو عراقياً، ينهل الألوسي من ذات المعين الذي نهل منه رواد الفن الحديث في العراق، جواد سليم وفائق حسن، أولئك الذين نقبوا عن الشخصية العراقية وأصلوا الموضوع المحلي برؤية معاصرة، لكنه يطبع هذا الإرث ببصمته الخاصة المفعمة بالدراما والحركة المعاصرة، فلا يكون تكرارا بل امتدادا واشتباكا عميقا مع الهوية البصرية والوجدان العراقي.

ولعل ما يمنح تجربة الألوسي فرادتها أنه لم يكتف بالرسم. ففي العام الماضي أقام معرضا شخصيا للنحت على الخشب، خامة ولجها في فترة متأخرة من مسيرته بعدما بدأها رساما متميزا طوال العقد السبعيني وما بعده، اتخذ من الفن عموما متنفسا جماليا وإنسانيا وفق رؤيته الشخصية، تارة يرسم مشاهد من الفلكلور أو صورا انطباعية، وتارة ينحت، لكنه اختار الخشب لأنه أكثر صدقا، يخرج من خلجات الروح ويعتمد على الثقة المطلقة بالنفس وهو يشذب القطعة الجامدة ليستنطقها تعبيريا.

النحت عنده ليس مهارة تقنية، بل هو صراع داخلي وتحد، عالم غريب لا بد من اقتحامه بشجاعة.. وهو لا يريد أن يخرج من معطف نحات بعينه، فكل قطعة نحتية ولادة جديدة، لا تشبه الأخرى في أسلوب أو فكرة، تستلهم موضوعاتها الإنسانية القائمة في حينها. وحتى لون المنحوتة عنده ليس لون الخشب العادي، بل يدخل عليها الألوان المتنوعة برمزياتها التعبيرية التي تدل على مكنوناتها.

وحين يكون في حالة استرخاء، لا يكتفي الألوسي بالخشب، بل يلجأ إلى الكتابة النثرية أو إلى التخطيطات والإسكيجات التي تكون مشاريع فنية مستقبلية، كأن الفن عنده حالة وجود مستمرة لا تنقطع.

نشأت الألوسي، ابن محافظة الأنبار المولود عام 1948، والدارس للرسم فيEcole des Beaux الفرنسية ثم معهد الفانسانت، والعائد إلى العراق ليؤسس توجهات جديدة، وكان أول من أدخل توثيق الرياضة الجماهيرية إلى الفن التشكيلي العراقي، ويعيش اليوم في الأردن، يثبت في هذا المعرض أنه فنان الذاكرة الحية.

هو لا يرسم بغداد من بعيد، بل يحمل بغداد معه ويستنطقها بمداد الروح البغدادية والهم الإنساني العام.

هذا المعرض في قاعة أيقونة ليس عرض لوحات معلقة على جدار، بل هو صرح بصري يستحق الوقوف عنده طويلا تأملا وتحليلا، لأنه يذكرنا بأن الفن العراقي حين يكون صادقا مع أرضه وناسه، يصبح ملحمـــــــة.. ونشـــــــأت الألوســــي هو أحـد أمناء هذه الملحمة، يحرســـــــــها باللـــــــــــون والذاكرة.


مشاهدات 44
أضيف 2026/10/18 - 2:51 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 35673 الكلي 16620842
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير