خسارة المنتخب ليست فشل لاعبين بل مرآة لدولة منهكة
محمد الربيعي
عندما يخسر المنتخب العراقي مباراة في كأس العالم، أو حتى عندما يفشل في اية بطولة، تتصاعد موجة من ردود الفعل المتضاربة في الشارع العراقي. بين آسف حزين يرى في الخسارة نكسة وطنية، وبين مشمت منتقد يوجه سهام اللوم إلى المدرب واللاعبين والاتحاد، وبين متعاطف يدرك حجم التحديات التي يواجهها الفريق، تتشكل فوضى عاطفية تعكس عمق العلاقة بين كرة القدم والمجتمع العراقي. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا كانت التوقعات عالية جدا؟ هل كان هناك مبرر موضوعي لهذه التوقعات، أم أنها وليدة أوهام غذتها وسائل الإعلام وعاطفة جماهيرية جياشة؟
لا يمكن إنكار أن المنتخب العراقي حقق إنجازات مشرفة على الصعيدين العربي والقاري. فوز العراق بكأس آسيا عام 2007 كان لحظة تاريخية استثنائية، وتألقه في بعض البطولات الإقليمية، واحتلاله مراكز متقدمة في التصنيف الآسيوي، كلها عوامل أسهمت في رفع سقف الطموحات. لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها بشجاعة هي أن هذه الإنجازات، مهما كانت مشرفة، لا تعني بالضرورة القدرة على منافسة الفرق العالمية الكبرى. فالمنتخبات التي تتصدر مشهد كرة القدم العالمية، كالبرازيل والأرجنتين وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، تمتلك تاريخا من الاستثمار المستدام في البنية التحتية، وأكاديميات كروية تعمل على مدار السنة، ودوريات محلية قوية، ورعاية حقيقية للمواهب منذ سن مبكرة. هذه الدول لم تبن مجدها الكروي بين عشية وضحاها.
مستوى عالمي
بل عبر عقود من العمل المنهجي. أما المنتخب العراقي، فقد كان أداؤه أمام فرق من المستوى العالمي، عند خوضه مباريات ودية أو رسمية، يكشف بجلاء الفجوة الهائلة في المستوى. ليس هذا تقليلا من جهود اللاعبين، بل هو قراءة موضوعية لواقع الحال. فالفريق يلعب في تصفيات كأس العالم أمام منتخبات آسيوية مستواها متقارب أو متفاوت، لكن عندما يواجه منتخبات من أمريكا الجنوبية أو أوروبا، تظهر الفروقات في اللياقة البدنية، والسرعة في اتخاذ القرار، والانضباط التكتيكي، والخبرة الدولية.لا يمكن إغفال دور الإعلام العراقي والعربي في خلق حالة من التضخيم العاطفي. فالقنوات الفضائية والمواقع الرياضية، في سباقها لخداع المشاهدين، كثيرا ما تطلق عناوين براقة وعبارات حماسية تسبق المباريات، وتصور المنتخب العراقي وكأنه في موقع قوة حتى قبل أن يثبت ذلك على أرض الملعب. هذا الخطاب الإعلامي، وإن كان يهدف إلى رفع الروح المعنوية، فإنه في الحقيقة يخلق فجوة بين الواقع والمأمول، ويضع اللاعبين تحت ضغط نفسي هائل. المعلقون والمحللون، بدلا من أن يقدموا قراءة موضوعية للإمكانيات الحقيقية للفريق مقارنة بالخصوم، يغرقون في سرد البطولات الماضية وإحياء الذكريات، وكأن كرة القدم لا تتغير ولا تتطور. هذا النوع من الخطاب يغذي الأوهام الجماهيرية، ويجعل الخسارة تبدو وكأنها كارثة بدلا من أن تكون نتيجة متوقعة لمنطق القوة في الملعب.
المنطق الرياضي البسيط يقول: لا يمكن لفريق أن يقدم أداء يفوق مستواه الحقيقي إلا في حالات استثنائية نادرة. والمنتخب العراقي، بتشكيلته الحالية، لم يظهر في مبارياته الأخيرة مع فرق عالمية أي قدرة على مجاراة المستويات العالية. لم تكن الخسارة خذلانا من اللاعبين أو المدرب، بل كانت ترجمة دقيقة لميزان القوى على أرض الملعب. المدرب، مهما كان كفؤا، لا يستطيع أن يصنع معجزة من فراغ. هو يعمل ضمن الإمكانيات المتاحة: لاعبون يعانون من نقص في الخبرات الدولية، ودوري محلي يعاني من مشاكل تنظيمية وفنية، وغياب للاستمرارية في برامج الإعداد، وضغط نفسي ناتج عن التوقعات غير الواقعية. ما فعله المدرب واللاعبون هو تقديم ما لديهم، وهذا المستوى هو الحقيقي، وليس وليد تقصير أو إهمال من جانبهم، بل نتاج بيئة رياضية غير مهيأة أصلا للمنافسة العالمية.
مجالات الحياة
هنا يكمن الجوهر الحقيقي للمسألة. كرة القدم، كغيرها من مجالات الحياة، ليست معزولة عن محيطها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. الرياضة ليست جزيرة منعزلة، بل هي جزء عضوي من نسيج المجتمع. حين تكون الدولة تعاني من أزمات في التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وحين ينتشر الفساد في مؤسساتها، وحين يغيب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، فمن غير المعقول أن نجد في هذا السياق منتخبا كرويا عالميا. دعونا نتأمل العلاقة بين جودة التعليم وجودة كرة القدم. الدول التي تمتلك أنظمة تعليمية متطورة تنتج مواطنين أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التفكير النقدي، وهذا ينعكس على طريقة لعبهم وتفكيرهم في الملعب. المدارس التي تهتم بالتربية البدنية وتكتشف المواهب منذ الصغر هي الأساس الذي تقوم عليه أي منظومة رياضية ناجحة. أما في العراق، فالواقع مرير: المدارس تفتقر إلى الحدائق والملاعب الرياضية، والمناهج الدراسية لا تولي الرياضة أي اهتمام جاد، والناشئون يمارسون كرة القدم في الشوارع والأزقة، بعيدا عن أي رعاية مؤسسية. هؤلاء الناشئون، حين يكبرون، يجدون أنفسهم في نظام رياضي هش، تعوزه البنى التحتية، وتفتقر إلى الكوادر التدريبية المؤهلة، وتعاني من الفساد الإداري والمحسوبية.
الملاعب المحلية، التي يفترض أن تكون حاضنة للمواهب ومنطلقا للأبطال، هي في كثير من الأحيان مجرد ساحات ترابية أو عشبية مهملة، تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة والجودة. الأندية تعاني من أزمات مالية خانقة، وتعتمد على دعم الدولة بشكل غير منتظم، مما يجعل التخطيط طويل المدى مستحيلا.
الرياضة العالمية لم تصل إلى ما هي عليه اليوم إلا بفضل استثمار ضخم في الإنسان أولا. الدول المتقدمة كرويا تدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى رعاية صحية متكاملة، وتغذية سليمة، ونفسية مستقرة، وتعليما متوازنا، وبيئة اجتماعية داعمة. اللاعب العراقي، كأي مواطن عراقي، يعيش في بيئة تعاني من توترات سياسية وأمنية، ومن تقلبات اقتصادية، ومن انقطاع للكهرباء والمياه، ومن نقص في الخدمات الصحية. هذه العوامل تؤثر مباشرة على أدائه الرياضي، وعلى تركيزه النفسي، وعلى قدرته على المنافسة الدولية. كيف يمكن لمثل هذا اللاعب أن ينافس لاعبا من دولة أوروبية نشأ في بيئة مستقرة، وحصل على أفضل رعاية صحية وتعليمية، وتدرب في مراكز متطورة منذ طفولته؟
الفساد الإداري والمالي في المؤسسات الرياضية العراقية هو أحد أكبر العوائق التي تحول دون التقدم. اتحادات رياضية تدير شؤونها بطرق غير شفافة، وصفقات مشبوهة، وتعيينات على أساس المحسوبية والولاء لا الكفاءة، وغياب للمساءلة والمحاسبة. هذا الفساد لا يقتصر على كرة القدم، بل هو ظاهرة منتشرة في معظم مؤسسات الدولة، والرياضة ليست استثناء. الفساد يقتل المنافسة الشريفة، ويحرم الموهوبين الحقيقيين من فرصهم، ويضيع الأموال التي كانت ستستثمر في تطوير البنية التحتية ورعاية الناشئين. وطالما أن الفساد مستشري في مؤسسات الدولة، فمن غير المعقول أن نطالب بمنتخب نظيف وأداء عالمي.
أول درس يجب أن نتعلمه من هذه الخسائر المتكررة هو أن التمنيات لا تصنع حقائق. يمكننا أن نحلم، بل يجب أن نحلم، لكن الأحلام وحدها دون عمل جاد لا تأتي بثمار. الجماهير مطالبة بأن تدرك أن المنتخب يعكس واقع الدولة، وأن المطالبة بإنجازات كروية دون إصلاح شامل هي ضرب من ضربات الهروب من الواقع. ثانيا، الإعلام مطالب بأن يتحمل مسؤوليته في تقديم قراءة موضوعية، تنأى عن التهويل والتهوين، وتضع الجمهور أمام الحقائق كما هي. الإعلام ليس أداة لتضخيم الأوهام، بل هو وسيلة للتوعية والنقد البناء. ثالثا، على الاتحادات الرياضية والجهات المعنية أن تدرك أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من القاعدة. الاستثمار في المدارس، وفي مراكز الناشئين، وفي الملاعب المحلية، وفي تدريب المدربين، هو الطريق الوحيد لبناء جيل رياضي قادر على المنافسة بعد عقد أو عقدين من الزمن، وليس بين ليلة وضحاها. رابعا، الإصلاح الرياضي جزء لا يتجزأ من الإصلاح الوطني الشامل. لا يمكن أن يكون لدينا رياضة قوية ونحن نعيش في دولة ضعيفة. تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ومكافحة الفساد، واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية، كلها عوامل ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة الرياضة. الرياضي الناجح هو نتاج بيئة ناجحة، وليس العكس.
خسارة المنتخب العراقي ليست كارثة، بل هي مرآة تعكس واقعا يجب أن ننظر إليه بعين العقل لا بعين العاطفة. اللاعبون والمدربون قدموا ما لديهم في حدود الإمكانيات المتاحة، ولم يخذلوا أحدا بقدر ما خذلتنا توقعاتنا غير الواقعية، وإعلامنا المفرط في التفاؤل، ونظراتنا التي تغفل عن الجذور العميقة للمشكلة. الدرس الأهم الذي تتركه لنا هذه التجربة هو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مؤسسات الدولة، من المدارس والمستشفيات، من سياسات النزاهة والشفافية، من الاهتمام بالناشئين ورعاية المواهب. لا يمكننا أن نبني فريقا عالميا في وطن يعاني من أزمات متراكمة، ولا يمكننا أن نطمح إلى التميز الرياضي ونحن نهمل التميز في كل مجالات الحياة الأخرى. فلنخفض سقف التوقعات، ولنرفع سقف العمل، ولننظر إلى رياضتنا بعين ناقدة موضوعية، ولنعمل من أجل بناء دولة تستحق أن يكون فيها منتخب يفخر به الجميع. ذلك هو الطريق الوحيد، الطويل والشاق، لكنه الطريق الصحيح. أما الأوهام والتمنيات، فستظل مجرد سراب في صحراء قاحلة، لا يروي ظمأ ولا يبني مجدا.