نقطة ضوء
أخطاء بطعم الحنظل
محمد صاحب سلطان
يبدو إن خير معلم للناس، هي الأحداث التي تقع في حياتهم، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، عامة أو خاصة، بعضها ترتجف لها الأبدان وبعضها من شدة وقعها تصطك لها الأسنان!، فيما أخريات يأتين ويذهبن ولا تطرف لها الجفون، بيد أن تلك الوقائع بعضها يبقى عالقاً في الذاكرة طيلة العمر، وآخر ينسى حال زوال أثره في نفس صاحبه، لذا من الطبيعي أن يصبح المرء في هذه الحياة مثل تلميذ يجلس على مقاعد التجربة، بغية السعي والبحث عن فرص التعلم من تجارب الآخرين، إذ مهما طال بنا الزمن وأبيضت الأجفان وأنحنى الظهر وثقلت الحركة، نبقى نظل نمسك دفتر الحياة ونطالع صفحاته، عسى أن نكتشف جديداً في تجارب سعيدة وأخرى حزينة، قد تكون خطواتها الأولى متعثرة فيصلحها الأمل، وقد تكون سلسة كماء رائق فيفسدها الإفراط في اللآمبالاة، وهكذا هي الحياة تسير من دون أن تتوقف، تصبح معلمنا الأول وأستاذنا الأكبر، ومنها ننهل حقيقة أن الفرح لا يدوم وإن الحزن لا يقتل، بل توخزنا الأحداث بدبابيسها الغائرة تحت الجلد بين الحين والآخر لتنبهنا، من أن كل كبوة نقع فيها وكل سقطة هي حصة إضافية في مدرسة الصبر، علينا تقبل مرارة ثمنها، مثل داء السكر الذي يعالج بثمرة حنظل!، وعندها ندرك إن التخلف عن درس اليوم ،سنضطر لإعادته غداً بثمن أكبر؟، لكن بعض الأشخاص عصيون على الفهم والتقبل، ومشكلة الكثير منهم تكمن إنهم لا يفهمون هذا ولا يستسيغونه، بيد إنهم ما زالوا يعيشون في إطار عقلية روح الأنا والذات المتعالية ، من خلال إكتناز المال الحرام وسرقة جهود الآخرين والعيش في أبراج مسورة بكراهية الناس لهم، يرون الحياة من منظار الربح من دون خسارة ،والتعب من دون تعرق ،والنجاح من دون إستحقاق أو ثمن...وعلى عكس ذلك نشير إلى واقعة إنسانية شهيرة بطلها (توماس أديسون)عندما كان يعمل على إختراع المصباح الكهربائي وأجرى آلاف المحاولات التي لم تتكلل بالنجاح،عندها سأله أحد الصحفيين عن شعوره بعد أن فشل، أجاب والإبتسامة تعلو ملامحه وبرؤية تجسد مفهوم التعلم من الخطأ: أنا لم أفشل، بل إكتشفت عشرة آلاف طريقة لا يعمل بها المصباح!، وبذا تحولت كل محاولة غير ناجحة من (خطأ) إلى (معلومة) قربته أكثر من الوصول الى النتيجة الصحيحة حتى نجح، وبفضل محاولات أخطاءه أضاء العالم بإختراعه، وعلى شاكلة نظرة أديسون نجد إن الخطأ الناتج عن التجربة أفضل من العجز الناجم عن الخوف منه، وصدق من قال (من خاف كسل، ومن جرب تعلم) و(الضربة الما تقتلك، تقويك) خير تعبير عن الإستفادة من الصدمات والأخطاء لبناء قوة الشخصية، وهذا الأمر يؤكد إن الدروس الأكثر ثباتاً هي التي يدفع الإنسان ثمنها من تجاربه المباشرة..
وفي ضوء ذلك لا بد من التأكيد من أن التعلم من الأخطاء، يتطلب تحويل الموقف السلبي إلى تجربة معرفية، تسهم في بناء الشخصية وتطوير السلوك عن طريق التوقف عن إلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين، وعلينا أن نتقبل بإن الخطأ جزء طبيعي من السلوك البشري، وهذا يتطلب تفكيك أي مشكلة تواجهنا لمعرفة الأسباب الحقيقية للخطأ، بدلاً من الإنشغال بالندم مع وضع خطوات عملية حاكمة تضمن عدم تكرار السلوك الذي أدى إلى الخطأ، وإستغلال التجربة كمعرفة عملية لا تتاح إلا لصاحبها، إذ تعد أكثر الدروس ثباتاً،تلك التي يدفع الإنسان ثمنها من تجاربه المباشرة،، وفي الختام لا بدّ أنّ أنوه إلى ما أكده المختصون في السلوك الإنساني، بإشارتهم إلى وقوع الفرد في خطأ سيئ لا يعني إنه شخص سيئ، كون الخطأ سلوك أو قرار إتخذه في ظرف معين، بناءا على معرفته وطاقته وقتها وليس هوية يعرف بها نفسه، فالشعور بالذنب في أصله، بوصلة صحية تشير إلى وجود ضمير حي، لكن تحوله إلى (جلد ذات مستمر) يعطل قدرة المرء على الإصلاح، وعليه فإن إستخدامه كمحفز للتغيير، يعد عاملا صحيحا يحفز على صناعة المستقبل، مثلما يعد جبر الضرر والإعتذار عن خطأ ألحق أذى بآخرين، عاملاً حاسماً في غلق الشعور بالذنب وإراحة الضمير، فهل يتعض البعض ممن هم فيه؟