الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجربة الامام علي عليه السلام في مكافحة الفساد

بواسطة azzaman

تجربة الامام علي عليه السلام في مكافحة الفساد

محسن القزويني

 

ََحَكَمَ الامام علي عليه السلام  البلاد الاسلامية اربع سنوات وتسعة اشهر وثلاثة ايام قدًَم خلالها افضل تجربة للدولة الرشيدة التي يمكن اقتباسها والاخذ بها في مختلف شؤون الحياة، ومنها مكافحة الفساد الذي اُبتليت به البشرية منذ عهد آدم عليه السلام وحتى يومنا هذا .

وتعدُّ تجربة مكافحة الفساد عند امير المؤمنين عليه السلام تجربة رائدة لانه بدأ بها منذ اليوم الاول من حكمه ، بداها بنفسه وبكبار المسؤولين وقام باسترداد الاموال المنهوبة الى بيت الماء باثر رجعي حتى لو تم التصرف بها في الامور الحياتية المختلفة، وفيما ياتي الموارد التي نفذَّها  امير المؤمنين عليه السلام من اجل ايجاد دولة نظيفة خالية من الفساد.

 اولا: الكشف عن الذًَمة المالية : بدأ بنفسه في اليوم الاول من حكمه عند دخوله الكوفة خطب قائلا: يا اهل الكوفة اذا انا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فانا خائن.

 ثانيا :الاختيار المناسب للمسؤولين فقد اختار الامام علي عليه السلام زياد بن ابيه على بيت المال في البصرة بالرغم من موقفه  المخالف وعدم مبايعته لامير المؤمنين، فلقد ابقاه في وظيفته عندما اكتشف امانته ومهنيته حيث استطاع زياد ان يحافظ على اموال المسلمين بالرغم من حوادث الشغب والفوضى التي اجتاحت البصرة في حرب الجمل، استطاع زياد الحفاظ على بيت المال لذا قرر الامام علي عليه السلام الابقاء عليه في منصبه لحرفيته وكفاءته الادارية، وهكذا اختياره لبقية مناصب الدولة المهمة التي كانت تسير ضمن المعايير المهنية,والثقة بامانة من ُيُراد تنصيبه ،الامر الذي حدَّ  من حوادث الفساد.

 ثالثا: الاسراع في توزيع المال:  لم يتاخر الامام لحظة واحدة في ايصال الحق الى اصحابه ، فقد اتاه مالٌ في المساء فامر بتوزيعه سريعا ، ورفض مقترح بعض اصحابه بتاخيره الى الصباح، فقال لهم :( تقبلون لي ان اعيش الى غد ، ثم اتى بشمع فقسَّم المال تحت ليلتهم) ليؤكد من خلال ذلك انَّ الحق لا يقبل التاخير وانًَ ايُّ تاخيرٍ في العطاء قد يتسبب في الفساد نتيجة الظروف القاهرة وان حاجات الناس لا تحتمل التاخير.

 رابعا :الهدية شكل من اشكال الفساد:  تقديم الهدية وقبولها من قبل المسؤول على ما يقوم به من خدمات هو شكل من اشكال الفساد،  فقد اتى ضبيعة بن زهير احد عمال امير المؤمنين عليه السلام بجراب فيه مال جمعه من الهدايا المقدمة له، فاستفتى امير المؤمنين فقال له الامام: (لو امسكته لكان غلولا فقبضه وجعله في بيت المال) فكل ما يُقدم من هدايا يجب ان تذهب الى بيت المال، فقد اهدى اليه المجوس في عيد نوروز جامات من فضة فيها سكر فقسمها امير المؤمنين بين اصحابه وحسبها من جزيتهم.

 خامسا: عدم التصرف باموال الدولة:  ورد في اكثر من مصدر إنَّ احد بنات الامام علي عليه السلام استعارت عقد لؤلؤ لتزين به في عيد الاضحى من خازن بيت المال  علي  بن ابي رافع فراه امير المؤمنين عليه السلام فقال لها من اين صار اليك هذا العقد فقالت استعرته من علي بن ابي رافع لاتزين به في العيد ثم ارده ، فبعث امير المؤمنين الى خازنه مؤنبا اياه اتخون المسلمين يا ابن ابي رافع ، فاخذ العقد وردَّه الى بيت المال. فكل ما في ايدي المسؤول من اموال الدولة هي امانة في عنقه، واي تصرف بها خارج حدود الصلاحيات يعدُّ خيانة للامانة.

 سادسا : منع الواسطة: من مظاهر الفساد قبول الواسطة التي تنتشر اليوم في اكثر دول العالم فهي تعطي الحق لمن لا يستحق، او تاخذ الحق من المستحق وتعطيه الى غيرالمستحق، او تبطل حقا او تمنع اقامة الحق على المستحق مثال على ذلك : اجتمع قوم عند امير المؤمنين ليشفعوا لشخص يستحق اقامة الحد عليه ، فقال لهم امير المؤمنين: (لا تسالوني شيئا املك الا اعطيتكم, فخرجوا يرون انهم قد انجحوا , فاخرجه علي فحدَّه ثم قال:  هذا والله لست املكه) ( مناقب شهرآشوب 2/147).

 سابعا :عزل الولاة الفاسدين :كان امير المؤمنين عليه السلام يلاحق الفاسدين من ولاته ويسمع شكوى المواطنين من رعيته، فقد شكت اليه سودة بنت عمارة الهمدانية احد ولاة الصدقات، فجاءت الى امير المؤمنين عليه السلام فوجدته يصلي فاقبل اليها بوجه طلق فحكت له ما جرى لها من عامله ،فبكى ثم قال:( اللهم انت شاهد اني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك) ثم كتب كتابا بعزله عن الولاية( دولة الامام علي صفحه 58).

 ثامنا :المحاسبة والمراقبة: كان الامام علي عليه السلام شديد المراقبة  لولاته صارما في محاسبتهم حتى في الامور الطفيفة التي لا يؤآخذ عليها الانسان العادي ، فقد حاسب واليه على البصرة عثمان بن حنيف بسبب حضوره الى مأدبة لاحد الاغنياء فبعث اليه برسالة شديدة اللهجة (اما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني ان رجلا من فتية اهل البصرة دعاك الى مأدبة فاسرعت اليها تستطاب لك الالوان وتنقل اليه الجفان فظننت انك تجيب الى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو( نهج البلاغة رساله 45) فالامام عليه السلام يريد من واليه ان يكون في صف الفقراء وان يترَّفع عن زخارف الدنيا وان لا يعطي ادنى دليل على رضوخه لاصحاب الاموال على حساب الفقراء، وكان يقوم بنفسه في مراقبة السوق ومحاسبة المخالفين اذ كان يطوف في اسواق الكوفة ومعه درة على عاتقه وهو يقول:( اعوذ بالله من الفسوق ومن هذه السوق).

 تاسعا: استرداد اموال الدولة: اليوم التالي من حكمه عليه السلام خطب في الناس قائلا :(ان كل مال مردود الى بيت المال وان كل ما تم اخذه من بيت المال يجب استعادته -باثر رجعي - لان الحق القديم لا يبطله شيء ولو وجدته وقد تُزوج به النساء وفُرِّق به البلدان لرددته الى بيت المال فان في العدل سعة ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه اضيق)( شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد 1/969 )وبهذا النص يضع الامام تشريعا محكما باسترداد الاموال حتى لو تم التصرف بها ولا اثر للزمن في هذا الحكم.

عاشرا :المساواه في العطاء: الفروقات في العطاء والرواتب هي شكلٌ من اشكال الفساد ومخالفة لقاعدة العدالة وهذا ما سلكه عليه السلام منذ اليوم الاول من حكمه فاول خطوة قام بها بعد البيعة جاء الى بيت المال فوزع المال بالتساوي بين المسلمين كل واحد كان نصيبه ثلاثة دنانير لم يفرق فيها بين السيد والعبد وبين القريب والبعيد فالكل سواسية في العطاء، ونتيحة  هذه الخطوة  ظهرت المشاكل و القلاقل، اذ اعترض عليه البعض وطلب منه بعض اصحابه ان يفضل بعض الرؤساء والاشراف في  العطاء كما كانوا في السابق، فقال لهم امير المؤمنين عليه السلام:  (اتامروني ان اطلب النصر بالظلم والجور في من وليت عليه من اهل الاسلام لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير وما رايت في السماء نجما والله لو كانت اموالهم مالي لساويت بينهم فكيف وانما هي اموالهم )وعندما طلب اخاه عقيل  مالا زيادة على استحقاقه في قضية تاريخية معبرة؛ احمى له حديدة وقربَّها الى يده -وكان بصيرا- فضج عقيل وكاد ان يحترق، فقال له امير المؤمنين:( ثكلتك الثواكل يا عقيل اتأن من حديدةٍ احماها انسانها للعبه وتجرني الى نارٍ سجرها جبارها لغضبه اتئن من الاذى ولا أئن من لظى) (نهج البلاغة 346). ولو واصلنا الحديث عن تجربة امير المرمنين عليه السلام في مكافحته للفساد لطال بنا المقام لكثرتها وعمقها واثرها في بناء دولة العدل التي اقامها امير المؤمنين عليه السلام وهي تجارب حريٌّ بالدول الاسلامية الاقتداء  بها و الاخذ منها كتشريع ومنهج شامل في مكافحة الفساد.


مشاهدات 75
الكاتب محسن القزويني
أضيف 2026/08/15 - 2:57 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 6:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 15480 الكلي 16105184
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير