الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التطوع من أجل الانسانية.. كيف تتحول المبادرات الفردية الى قوة للحماية وصناعة السلام؟  

بواسطة azzaman

التطوع من أجل الانسانية.. كيف تتحول المبادرات الفردية الى قوة للحماية وصناعة السلام؟  

غسان العزاوي

 

بالتزامن مع إعلان الأمم المتحدة عام2026  عاماً دولياً للمتطوعين، برزت في العراق واحدة من التجارب اللافتة التي عكست قدرة العمل التطوعي على الوصول الى المجتمعات في أكثر اللحظات حساسية وحاجة للتكاتف الاجتماعي. ففي ظل التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط، والتي تحاول من خلالها مجاميع مسلحة وجهات متطرفة الى الاستفادة من هذه التحديات لتنفيذ أجنداتها العدائية التي تستهدف دولاً آمنة وشعوباً مسالمة؛ تأتي مبادرة تطوع العمل الجماعي بهدف تعزيز التماسك الاجتماعي التي نفذها برنامج متطوعي الأمم المتحدة بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية في العراق. فقد كانت مناسبة الزيارة الأربعينية الحدث الأبرز والأهم لتوحيد الصفوف لتحقيق هدف انساني دون تمييز وفق دين أو مذهب. وكانت المبادرة، حملة تطوعية واسعة شارك متطوعين من خلفيات دينية وعرقية وثقافية مختلفة لحماية الحشود المتوجهة الى المراقد المقدسة في محافظتي كربلاء والنجف لأداء شعائر الزيارة الدينية السنوية.

 

لم تكن الحملة مجرد نشاط توعوي عابر، بل جائت استجابة لظروف استثنائية فرضتها حرارة الطقس، وكثافة الحشود وتنوع جنسيات وأعمار الزائرين الذين وصل عددهم لأكثر من 21 مليون زائر، بينهم ما يزيد على 4 مليون زائر قادمين من 140 دولة، بحسب ما أعلنته السلطات العراقية متمثلة بوزارة الداخلية العراقية والعتبة العباسية في كربلاء.  

وفي ظل درجات حرارة قاربت50  درجة مئوية، تحولت التوعية الصحية إلى ضرورة ملحة لحماية حياة الملايين، وتقليل المخاطر المرتبطة بالتعرض للحرارة والإجهاد والجفاف، وغيرها من المخاطر الصحية التي قد تتفاقم في التجمعات البشرية الكبرى، خاصة مع التغيير المناخي الذي أثر على جغرافية المناطق وتوزيعاتها السكانية.

ففي ذروة الحاجة، وقف أكثر من125  متطوعاً ومتطوعة من خلفيات دينية وثقافية وقومية مختلفة تحت مظلة برنامج الأمم المتحدة للتطوع في العراق، ليشكلوا فريقاً تطوعياً منسجم ومتماسك، يعكس بصورة عملية إحدى أهم قيم العمل التطوعي، وهو التعاون لتحقيق هدف إنساني مشترك يتجاوز الاختلافات الثقافية والهويات الفرعية.

 

حين يتحول التطوع إلى استجابة انسانية

اعتمدت الحملة على التوعية الرقمية والإعلامية بوصفها وسيلة للوصول إلى أعداد ضخمة من الزائرين والمجتمعات المحيطة بهم. وعلى مدى أسبوعين، شارك المتطوعون في إنتاج ونشر رسائل صحية مبسطة ومباشرة، تناولت مخاطر التعرض لدرجات الحرارة المرتفعة وغبار الطرق وأهمية الوقاية من الجفاف والإجهاد الحراري، الى جانب مجموعة من الإرشادات الصحية المرتبطة بالتجمعات الكبيرة.

وكان التحدي الأساسي أمام الحملة هو كيفية تحويل المعلومات الصحية المتخصصة الى رسائل يستطيع ملايين الأشخاص فهمها وتطبيقها بسرعة، خصوصاً في بيئة تتسم بالحركة المستمرة وكثافة الزوار وتعدد اللغات والثقافات.

ومن هنا جاء الدور المحوري للمتطوعين، الذين لم يكونوا مجرد ناقلين للمعلومات، وإنما جسراً بين الرسالة الصحية والمؤسسات التي تقف خلفها وبين الجمهور المستهدف.

وقد جرى توظيف منصات إعلامية ورقمية محلية وإقليمية مؤثرة لنشر المواد التوعوية، مستفيدين من حضور الشخصيات المشاركة في الحملة وقدرتها على الوصول إلى جمهور واسع. وهكذا خرجت الرسالة الصحية من نطاق النشاط التطوعي المحدود إلى فضاء إعلامي أوسع، لتصبح جزءاً من الحوار العام حول سلامة الزائرين وصحتهم.

 

متطوعون.. وخلف كل متطوع قصة

تكمن إحدى أكثر الجوانب دلالة في التجربة في تنوع المتطوعين المشاركين فيها. فلم يكن الفريق محصوراً في فئة عمرية واحدة أو خلفية اجتماعية محددة، وإنما ضم أشخاصاً من أعمار وخلفيات دينية وعرقية مختلفة، اجتمعوا على قضية واحدة، وهي حماية الإنسان. تقدم هذه الصورة معنى أعمق للتطوع في المجتمعات المتنوعة؛ فحين تتراجع الفوارق أمام هدف إنساني مشترك، يصبح التطوع مساحة لبناء الثقة والتواصل والتعايش، وليس فقط وسيلة لتنفيذ نشاط محدد.

ففي العراق، تكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة، لأن المجتمع متعدد الأديان والقوميات والمكونات، بينما تحتاج القضايا التي تمس حياة الناس بشكل مباشر إلى تعاون يتجاوز هذه الاختلافات.

لقد كان المتطوعون، خلال أسبوعين من العمل، جزءاً من استجابة صحية واسعة، لكنهم كانوا أيضاً يقدمون نموذجاً مصغراً لما يمكن أن يفعله العمل التطوعي عندما تتحول طاقات الأفراد إلى قوة جماعية منظمة.

 ”لم تكن مجرد تجربة تطوعية، بل كانت رسالة إنسانية. بهذه العبارة تختصر المتطوعة رونق كاظم جدعان، وهي مهندسة ميكانيك من محافظة الأنبار، تجربتها مع العمل التطوعي، الذي انخرطت فيه قبل ثلاث سنوات عبر برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين.

تقول رونق:  ”إن تجربتي لم تقتصر على نشاط واحد، بل شملت مهام وأنشطة متعددة مع وكالات الأمم المتحدة ، مؤكدة    أن الدافع الأساسي وراء استمرارها كان الرغبة في خدمة المجتمع ونشر الوعي بين الناس، ولا سيما الفئات البسيطة التي تحتاج إلى المساعدة والدعم، حتى وإن اقتصر ذلك على التوعية والتثقيف .

وترى رونق أن التطوع يتجاوز تقديم المساعدة المباشرة، ليصبح جزءاً من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية التي يتحملها كل فرد تجاه مجتمعه.

أما في أربيل، اتخذت تجربة المتطوع دانيال فاروق، وهو ممرض، مساراً مشابهاً، لكن من بوابة الخدمات الصحية. يقول دانيال: إننا مجموعة من الشباب، من الجنسين، اجتمعنا لتشكيل فريق تطوعي يهدف الى تقديم خدمات صحية وإنسانية للمجتمعات عند الحاجة .

ويشير الى أن أعضاء الفريق تلقوا تدريبات مهنية في مجالات الصحة العامة والسلامة النفسية والعقلية، بعد تخرجهم من معهد التمريض، قبل أن يواصلوا العمل التطوعي ضمن مجموعة مستقلة تشرف عليها إحدى المنظمات الدولية.

بالنسبة إلى دانيال، لا يتوقف العمل التطوعي عند تقديم الخدمة، بل يرتبط أيضاً بالتعلم المستمر ومواكبة التطورات العلمية والبحوث والدراسات، بهدف تحسين نوعية الخدمات المقدمة للمجتمعات الأكثر احتياجاً.

ومن تجربته الميدانية، يوجه دانيال رسالة إلى السلطات، مفادها: أن دعم التطوع يجب ألا يقتصر على المبادرات الفردية، بل ينبغي أن يتحول إلى سياسة مجتمعية تعزز مشاركة الشباب في الخدمات الاجتماعية، وترسخ ثقافة التطوع من خلال برامج توعوية تعرف الناس بأهميته وبقيم المسؤولية الإنسانية والاجتماعية .

وبين تجربة رونق في التوعية، وتجربة دانيال في الرعاية الصحية، يبدو التطوع أكثر من نشاط مؤقت؛ إنه مساحة يلتقي فيها الشباب مع احتياجات مجتمعاتهم، ويتحول فيها الوقت والمهارة والرغبة في العطاء إلى مورد إنساني يمكن أن يسهم في حماية المجتمع وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.

 

التوعية لتعزيز المشاركة المجتمعية

في موسم الزيارات المليونية، يمكن أن تتحول الظروف المناخية القاسية إلى عامل خطر مضاعف. فدرجات الحرارة التي قاربت 50 درجة مئوية، إلى جانب السير لمسافات طويلة والوقوف لفترات ممتدة والاكتظاظ، تجعل بعض الفئات أكثر عرضة للإجهاد الحراري والجفاف والمضاعفات الصحية المرتبطة بالحرارة.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي توفير الخدمات الصحية بعد وقوع المشكلة؛ فجزء كبير من الاستجابة الفعالة يبدأ قبل وصول الشخص إلى نقطة الخطر، وهنا تبرز قيمة التوعية الوقائية.

قد تكون رسالة قصيرة عن شرب المياه بانتظام، أو تجنب التعرض المباشر للشمس، أو معرفة العلامات المبكرة للإجهاد الحراري، قد تبدو بسيطة، لكنها في تجمع يضم ملايين الأشخاص يمكن أن يكون لها أثر كبير في الحد من المخاطر الصحية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحملة بوصفها نموذجاً لما يسمى الصحة الوقائية القائمة على المشاركة المجتمعية، حيث يصبح الجمهور نفسه شريكاً في حماية صحته، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ للخدمات الطبية.

تكشف التجربة أيضاً عن تحول مهم في طبيعة العمل التطوعي المعاصر. فالمتطوع لم يعد بحاجة دائماً إلى الوجود في موقع الحدث حتى يكون جزءاً من الاستجابة. فالهاتف المحمول، والكاميرا، ومنصات التواصل الاجتماعي، والقدرة على إنتاج المحتوى، أصبحت أدوات يمكن من خلالها إيصال رسالة صحية إلى ملايين الأشخاص.

وفي هذه الحملة، اكتسب التطوع الرقمي أهمية خاصة بسبب حجم الجمهور المستهدف. فلو حاول كل متطوع الوصول بصورة مباشرة إلى جزء صغير من هذا العدد الهائل من الزائرين، لما كان بالإمكان تحقيق الانتشار نفسه الذي توفره المنصات الرقمية والإعلامية. لقد أصبحت التكنولوجيا هنا مضاعِفاً لأثر التطوع.

فالمتطوع ينتج أو يساهم في إنتاج رسالة واحدة، لكن هذه الرسالة يمكن أن تنتقل عبر وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية إلى آلاف أو ملايين الأشخاص، بما يوسع الأثر بصورة تتجاوز حدود المكان والزمان.

 

من منصة الكترونية الى بوابة تعاون

لا تقتصر أهمية هذه الحملة على بعدها الصحي أو على حجم الجمهور الذي استهدفته، بل تتجاوز ذلك إلى الرسالة التي تقدمها حول مكانة التطوع في المجتمعات، تبدأ من منصة رقمية تستقبل الجميع من بوابة انسانية واحدة.

فالتجربة أظهرت أن المتطوعين يمكن أن يكونوا جزءاً من الاستجابة لتحديات معقدة تتطلب سرعة في التواصل، وفهماً للسياق المحلي، وقدرة على الوصول إلى الجمهور، والعمل ضمن شراكة تجمع مؤسسة أممية متخصصة في التطوع مع منظمة دولية معنية بالصحة.

كما أنها تقدم مثالاً على أن العمل التطوعي يمكن أن يربط بين الخبرة الدولية والمعرفة المحلية؛ فالمنظمات الدولية تمتلك الخبرة والمعايير والأدوات، بينما يمتلك المتطوعون معرفة بالسياق المحلي ولغة المجتمع وثقافته وطرق الوصول إلى الجمهور. وعندما يجتمع الطرفان، يمكن أن تتحول الرسالة من مادة صحية نظرية إلى خطاب مفهوم وقابل للتطبيق.

 

وتأتي هذه التجربة في لحظة تحمل دلالة رمزية كبيرة؛ إذ خصصت الأمم المتحدة عام 2026 للاحتفاء بالتطوع وإبراز دوره في المجتمعات. لكن الاحتفاء الحقيقي بالتطوع لا ينبغي أن يتوقف عند المؤتمرات والشعارات والصور.

ان القيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيع المتطوع أن يكون جزءاً من حل مشكلة حقيقية: حماية طفل، مساعدة أسرة، دعم مجتمع متضرر، حماية البيئة، نشر المعرفة، أو في هذه الحالة، المساهمة في حماية ملايين الزائرين من مخاطر صحية حقيقية خلال واحدة من أكبر التجمعات البشرية في العالم.

وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم التي تتركها تجربة الحملة الصحية في كربلاء والنجف: التطوع ليس مجرد وقت يقدمه الإنسان مجاناً، وإنما طاقة اجتماعية يمكن تنظيمها وتحويلها إلى استجابة ذات أثر واسع عندما تتوافر لها المعرفة والشراكة والمنصة المناسبة.

وفي العراق، حيث تتقاطع الأزمات الإنسانية والمناخية والاجتماعية، يمكن لهذا النوع من التطوع المنظم أن يتحول من مبادرات موسمية إلى جزء مستدام من منظومة الاستجابة المجتمعية، وأن يمنح الشباب والأفراد مساحة حقيقية للمشاركة في حماية مجتمعاتهم.

فخلف الأرقام الكبيرة 21 مليون زائر، أكثر من 4 زائر دولي، و125 متطوعاً ، هناك قصة أكثر أهمية. هي قصة مجموعة من الناس قرروا أن يجعلوا من وقتهم ومعرفتهم وأصواتهم وسيلة لحماية الآخرين.

وفي الجوهر، هي الفكرة التي تجعل من التطوع قوة تتجاوز حدود العمل الفردي، لتصبح أداة للصحة العامة، والتضامن الاجتماعي، وبناء المجتمعات، وصناعة التغيير.

 

قوة عالمية مؤثرة بدأت بفكرة

يعود تاريخ برنامج متطوعي الأمم المتحدة إلى عام 1970، عندما أنشأته الجمعية العامة للأمم المتحدة بهدف توفير متطوعين مؤهلين ومتحمسين لدعم جهود الأمم المتحدة في مجالات السلام والتنمية. ومنذ ذلك الوقت، تطور البرنامج بصورة كبيرة، وانتقل من التركيز الأساسي على توفير الكفاءات التطوعية إلى لعب دور أوسع في تعزيز ثقافة التطوع وإدماجها في سياسات وبرامج التنمية.

اليوم، يعمل برنامج الأمم المتحدة للتطوع ضمن منظومة الأمم المتحدة، وتتم إدارته من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ففي عام 2025 وحده، خدم أكثر من17  ألف متطوع أممي منظومة الأمم المتحدة حول العالم، وكان 93% منهم من دول الجنوب العالمي. (بحسب بيانات المنظمة)

وهذه الأرقام تعكس تحولاً مهماً في فلسفة البرنامج، فالمتطوع الأممي ليس بالضرورة خبيراً دولياً يأتي من دولة بعيدة ليقدم حلولاً جاهزة، بل يمكن أن يكون شخصاً من المجتمع نفسه، يمتلك المعرفة المحلية والمهارات المهنية والقدرة على العمل مع السكان والمؤسسات.

فالتطوع يمكن أن يساهم في مكافحة الفقر، وتحسين التعليم، ودعم الصحة، وتعزيز المساواة، وحماية البيئة، وبناء السلام، وتقوية المؤسسات والمجتمعات المحلية. لكن القيمة الحقيقية للتطوع لا تكمن فقط في عدد الساعات التي يقدمها المتطوع أو عدد الأنشطة التي ينفذها، وإنما في قدرته على خلق علاقات جديدة بين المواطنين والمؤسسات.

ان المتطوع غالباً ما يكون قريباً من المجتمع، ويفهم احتياجاته وتحدياته، ويمكنه نقل أصوات الفئات المهمشة إلى المؤسسات والجهات المسؤولة.

ولهذا ينظر برنامج الأمم المتحدة للتطوع الى مبدأ التطوع باعتباره وسيلة لتعزيز المشاركة المدنية والعمل الجماعي، وليس مجرد مورد بشري منخفض التكلفة. ويؤكد البرنامج أن المتطوعين يمكن أن يساهموا في تعزيز التماسك الاجتماعي والقدرة على الصمود والمشاركة المجتمعية.

 

الشباب وثقافة التطوع وبناء المسار المهني

بالنسبة إلى الشباب، يمكن أن يمثل التطوع الأممي أكثر من تجربة إنسانية؛ فقد يكون محطة مهمة في بناء المسار المهني. فالعمل ضمن فريق متعدد الجنسيات والثقافات، والتعامل مع المؤسسات الدولية، وإعداد التقارير، والمشاركة في المشاريع، والتواصل مع المجتمعات، واستخدام أدوات العمل الحديثة، كلها خبرات يمكن أن تعزز الكفاءة المهنية للمتطوع.

لكن من المهم في الوقت نفسه عدم النظر إلى البرنامج باعتباره طريقاً مضموناً للحصول على وظيفة أممية. فالفرصة التطوعية هي مهمة محددة لها أهداف ومسؤوليات ومتطلبات، وليست وعداً بالتوظيف مستقبلاً. قيمة التجربة تعتمد بدرجة كبيرة على ما يقدمه المتطوع خلالها وما يتعلمه، وعلى قدرته على تحويل الخبرة إلى معرفة ومهارات قابلة للاستخدام لاحقاً.

 

بالنسبة للعراق، يمكن أن يحمل التطوع الأممي أهمية خاصة. فالمجتمع العراقي يمتلك تاريخاً طويلاً من المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي، كما أن التحديات التي تواجه البلاد ــ من آثار النزوح والفقر والبطالة إلى تغير المناخ وشح المياه والتحديات البيئية، تحتاج إلى مشاركة المجتمع إلى جانب جهود المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمحلية. ومن هنا يمكن أن يكون الاستثمار في الشباب والمتطوعين وسيلة لبناء رأس مال اجتماعي جديد.

فالشاب الذي يشارك في مبادرة لحماية البيئة، أو دعم التعليم، أو مساعدة النازحين، أو تعزيز التماسك الاجتماعي، لا يقدم خدمة للمجتمع فقط؛ بل يكتسب أيضاً خبرة في القيادة والعمل الجماعي وحل المشكلات والتواصل والمسؤولية المدنية.

وهذا ينسجم مع الرؤية الأوسع لبرنامج الأمم المتحدة للتطوع الذي يرى التطوع وسيلة لإشراك الناس بصورة مباشرة في جهود التنمية والسلام والعمل الإنساني.

 

التطوع شراكة في صناعة التغيير

رغم أهمية التطوع، ينبغي الحذر من استخدامه باعتباره بديلاً عن مسؤولية الدولة أو المؤسسات العامة. فالمتطوع لا ينبغي أن يحل محل الموظف الحكومي، أو العامل الصحي، أو المعلم، أو المختص الاجتماعي.

القيمة الحقيقية للتطوع تكمن في التكامل: أن يعمل المواطن والمجتمع المدني والمؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية معاً، بحيث يضيف كل طرف ما يمتلكه من معرفة وقدرات وموارد. وهذا ما يجعل التطوع أداة لبناء الشراكات وليس مجرد وسيلة لسد النقص في الموارد البشرية.

ويضع الإطار الاستراتيجي الجديد للبرنامج الفترة 2026–2029 تركيزاً على تعبئة متطوعين يمتلكون مهارات متنوعة لدعم السلام والتنمية والعمل الإنساني وحقوق الإنسان، بالتوازي مع تعزيز الاعتراف العالمي بالتطوع وإدماجه في السياسات والبرامج. كما يعطي الإطار أهمية أكبر للأدلة والبيانات وقياس أثر التطوع، وليس مجرد قياس أعداد المشاركين.

وهذا يعني أن مستقبل التطوع لن يعتمد فقط على "عدد المتطوعين"، وإنما على نوعية مساهمتهم، ومدى ارتباطها باحتياجات المجتمعات، وقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس.

ربما تكمن أهم رسالة في تجربة برنامج متطوعي الأمم المتحدة في أن التطوع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عملاً يقوم به شخص لصالح الآخرين فقط. لكن المتطوع نفسه يتغير أيضاً، فهو يتعلم ويكتسب مهارات ويبني علاقات ويفهم مجتمعه بصورة أعمق ويشارك في حل المشكلات، كما أنه يكتشف قدرته على التأثير.

وفي المقابل، تحصل المجتمعات على مورد ثمين: أشخاص مستعدون لتقديم وقتهم ومعرفتهم وطاقتهم من أجل الصالح العام. ولهذا فإن مستقبل التنمية لن تصنعه الحكومات والمنظمات الدولية وحدها، كما لن تصنعه الموارد المالية والتكنولوجيا فقط. ستحتاج التنمية أيضاً إلى مواطنين مستعدين للمشاركة.

وفي عام 2026، السنة الدولية للمتطوعين، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالتطوع ليس مجرد وقت نقدمه للآخرين؛ بل هو مشاركة فعلية في بناء المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.


مشاهدات 77
الكاتب غسان العزاوي
أضيف 2026/08/15 - 2:59 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 6:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 15480 الكلي 16105184
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير