الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الروائي  ياسين غالب.. طائر الحرية الذي حطّ في هلسنكي
حامد الضبياني


الروائي  ياسين غالب.. طائر الحرية الذي حطّ في هلسنكي

حامد الضبياني

 

في عالم تتزاحم فيه الأصوات وتضيع فيه الهويات بين أمواج الهجرة وموجات الغربة، يبرز اسم ياسين غالب بوصفه صوتًا منفردًا، لا يُقلد ولا يستنسخ، كاتبًا لا يشبه أحدًا سوى ظله، وكأن اللغة العربية حين اشتاقت إلى التجدّد اختارته حاملًا لرايتها، فنقلها من ضفاف شط العرب إلى صقيع الشمال الفنلندي دون أن ترتجف، بل ازدادت دفئًا ووضوحًا. هو ابن البصرة، وابن السيّاب، وابن الشمس الحارقة، لكنه حين هاجر لم يهاجر جذرًا ولا ذاكرة، بل حمل معه الشرق بكل ثقله ووهجه، وأعاده من هناك، من قلب الشمال، بلغات ثلاث: بالعربية التي منها وُلد، وبالإنجليزية التي احتضنته، وبالفنلندية التي فهمته.في عيني ياسين غالب، تتقاطع حرية الفكر مع حرية الجغرافيا، فلطالما كتب عن الوطن كما لو أنه مكان لم نصل إليه بعد، لا لأنه ضائع، بل لأنه مكبّل. الحرية عنده ليست فكرة شعرية مجنّحة، بل موقف شخصي حاد، يشبه حافة السكين حين تكتب، ويشبه السيف حين يبوح. لذلك لم يكن غريبًا أن يكتب عن بغداد العرش لا بوصفها حاضرة، بل كرمز لسلطة مركزية خطفت المدن الأخرى، وفي مقدمتها البصرة. لم يكتب غالب البصرة على استحياء، بل أصرّ على أن تكون أمّه الأدبية التي لا يستبدلها حتى حين يكتب بالإنجليزية أو تُترجم أعماله إلى الفنلندية. البصرة ليست مدينة في خياله، بل جرح مفتوح يتجدد في كل سطر يكتبه، وأمل مؤجل في كل حلم يتصوره.حين سُئل عن بداياته، لم يتحدث عن لقب أو مجد شخصي، بل تحدث عن النص باعتباره العقد الوحيد المقدس بينه وبين الكاتب. كان يقرأ ليحلم، لا ليؤرشف، وكان يتماهى مع النص كما يتماهى العاشق مع حبيبته، فيغرق فيها دون أن يسأل عن اسمها أو نسبها. لا هيبة للأسماء الكبيرة أمام عينيه، فالكلمة وحدها من تُقيم وتُقصي. لهذا السبب، لم يكن من محبي الكتابة المختزلة، ورفض منذ البدء القارب القصصي الصغير، مفضّلًا عليه سفينة الرواية، تلك المدينة العائمة كما وصفها، التي تتيح له أن يكون ساردًا وشاهدًا ومُحرضًا في آن.الرواية عند ياسين غالب ليست قالبًا فنيًا فحسب، بل هي ساحة معركة: معركة ضد النسيان، ضد التغريب، ضد تدجين الهوية. في روايته “+15" كتب عن الهجرة والجنس والعنف، بجرأة جعلتها تُمنع في مصر، لكنها في المقابل تُترجم في فنلندا، ويُناقش مضمونها في صالونات الفكر هناك. لم يكتب ليُرضي أحدًا، بل كتب ليقول ما يعتقد أنه صادق وجوهري، ولذلك لم يعبأ كثيرًا بما يراه البعض محرمات ثقافية. أما في "السيدة الأولى" فقد واجه شبح الطغيان بجرأة، وجعل زوجة الحاكم تمشي إلى المتحف بدل أن تمشي إلى المنفى. إنها دعوة صريحة لوضع الاستبداد في مكانه الرمزي: الماضي.وإذا كان ياسين غالب قد رفض إلغاء هويته الشرقية في المنافي، فذلك لأنه آمن بأنه ابن حضارة لا تقل عن غيرها، بل تتفوق عليهم متى ما نُزعت عنها أثواب الذل والتابوهات. لم يرضَ بالذوبان في الآخر، كما يفعل البعض من أدباء المهجر الذين ينسلخون عن أوطانهم في أول مطار، بل أعاد صياغة العلاقة مع الآخر من موقع الاعتزاز، لا التذلل. كتب للمسرح الفنلندي، وأذاع تمثيلياته على الراديو الوطني هناك، لكنه ظلّ يوقّع باسمه العربي، ويحتفظ في نصوصه بنبرة الشرق وهو يعبر جسور الغرب.في كتاباته مقولات فلسفية مبطنة، ومواقف سياسية غير قابلة للمواربة، لكنها لا تُقال عبر شعارات، بل عبر شخصيات، حوارات، وعوالم سردية تنبض بالحياة. وحين يتحدث عن حرية التعبير، فإنه لا يفعل ذلك كناشط، بل ككائن لا يستطيع التنفس دونها. يكتب لأن الكتابة صوته، ويصرّح بأن "صوتي هو أنا"، وكأن الحبر هو الدم الحقيقي في شرايينه. لا يؤمن بالحقوق المجزأة، فإما حرية كاملة أو لا حياة، ويستشهد  ليقول إن أول الثورة كانت دائمًا كلمة.من البصرة إلى هلسنكي، لم ينقطع ياسين غالب عن الكتابة، بل جعلها قارب النجاة الذي لم يغرق، رغم البحر البارد، رغم جليد الصمت. هو عضو في جمعيات أدبية فنلندية، وينشر في مجلات غربية، لكنه حين يُسأل عن لغة الكتابة، يقول إن الإنجليزية أبوه، ولكن العربية هي الأم، ومَن يملك أمًّا كهذه لا يفرّط في نسبه.أعماله التي تراوحت بين الشعر، والرواية، والمسرح، والراديو، تُمثّل مشهدًا متكاملًا لكاتب يؤمن بأن الإبداع لا يمكن أن يكون محايدًا، ولا أن يسير على عكازين. لكل كتاب يكتبه رسالة، لا شعارًا، فالمضامين تُزرع في التربة لا في اليافطات، ولعل أبرز ما في تجربته أنه لم يكتب ليُدهش، بل ليحاور، ليُعرّي، وليفتح نوافذ لا تُغلق.ياسين غالب ليس مجرد اسم في قائمة الكتّاب العرب في الشتات، بل هو تجربة قائمة بذاتها، لا تُقاس بعدد الطبعات، بل بعمق ما تطرحه من أسئلة، وما تتركه من آثار. طائرٌ مهاجر، نعم، لكنه يعرف من أين أتى، ولا يُفرّط بالبوصلة، حتى لو طار في مدار الشمال.هو الكاتب الذي أعاد تعريف الانتماء، لا بوصفه عنوانًا، بل كشجرةٍ جذورها في البصرة وأغصانها تكتب بالفنلندية، وتزهر بالعربية، وتغنّي للحرية في كل لغات العالم.

سيصدر له قريباً " گوگوش، هذه الليلة سجادة فارسية "  رواية عن دار الرافدين للنشر.


مشاهدات 38
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/06/27 - 2:02 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 3:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 176 الشهر 25628 الكلي 15901109
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير