الشاعر المبدع فواز الحمفيش.. التحدي والتصالح مع الوجع
نايف عبوش
تميزت قصيدة الشاعر فواز الحمفيش (عُد بي) بنبرة وجدانية عميقة ،تعكس تجربة إنسانية مثقلة بالأوجاع، والخيبات، والحنين، حيث يقوم النص على حوار داخلي متوتر بين ذات الشاعر وذاكرته من جهة، وبين واقع قاسٍ يرزح تحت وطأته ،وحلمٍ يطمح إلى استعادته من جهة أخرى.
ويأتي عنوان القصيدة (عُد بي) بصيغة الأمر، نداءً مشوباً بالاستغاثة والحنين إلى زمن مضى، ليغدو مفتاحاً دلالياً للنص بأكمله. وتكرار هذه العبارة يعكس رغبة الشاعر في العودة إلى مرحلة أكثر صفاءً، وأقل ألماً.
ويتدرج البناء الشعوري للقصيدة من مشهد الانكسار والتعب النفسي :
ألقى العصا متعثراً ثم ارتمى
وجثا يعنف نفسه ما استسلما
إلى محاولة استعادة الأمل والتشبث بالحلم :
عد بي إلى حلم قديم لم يزل
في كل سانحة ببابي قائما
فالشاعر لا يستسلم لليأس، بل يظل متشبثاً بحلمه القديم، وهو ما يمنح القصيدة بعداً إنسانياً مؤثراً، ويجعلها تتأرجح بين مرارة الواقع، ورجاء الخلاص.
ومن أبرز جماليات النص،كثافة صوره البلاغية، وتنوعها. ففي قوله :
جمعت من قحط السنين مواسما
تتجلى صورة مبتكرة تجمع بين القحط، والمواسم، لتوحي بقدرة الذات على استيلاد الأمل من رحم المعاناة.
وفي قوله :
وجدت الصبح ليلاً مظلما
تظهر مفارقة فنية لافتة، تعكس انقلاب الموازين النفسية لدى الشاعر، حتى غدا الصبح، بما يحمله من دلالات النور والانبعاث، رمزاً للعتمة، والانكسار.
أما قوله :
وراء هذا الصمت تسكن ثورة
فيقدم صورة نفسية موفقة، تجعل الصمت ستاراً يخفي وراءه عالماً من الغضب، والاحتجاج المكبوت.
ويبرز التشخيص الفني في قوله :
لي غصة في النفس تطحن صبرها
إذ تتحول الغصة إلى كائن حي، يمارس فعل الطحن، بما يعمق الإحساس بالمعاناة ،ويكثف الأثر النفسي للصورة.
وتنتمي لغة القصيدة إلى فضاء الشعر العمودي الأصيل، بما تتسم به من جزالة، ورصانة، مع احتفاظها بعذوبة التعبير وسهولة التلقي. كما يحافظ النص على موسيقاه الشعرية من خلال إيقاع متماسك ،وقافية موحدة بحرف الميم المفتوح المسبوق بالألف . وهو جرس صوتي، يتناغم مع الأجواء الحزينة، التي تهيمن على النص.
كذلك أسهم التوازن بين شطري البيت في القصيدة ،في تعزيز انسيابية الإيقاع، وخدمة الحالة الوجدانية، التي يعيشها الشاعر طوال القصيدة.
وعلى المستوى النفسي، تعكس القصيدة حواراً عميقاً مع الذات الجريحة، التي ألفت الألم حتى أصبح جزءاً من تكوينها الوجداني، ويتجلى ذلك بوضوح في قوله :
ألف النصال الموجعات فإنه
لولا الحياء من الجراح تبسما
ففي هذا البيت يبلغ التحدي والتصالح مع الوجع ذروته، حتى يكاد الجرح نفسه يتحول إلى باعث على الابتسام، في صورة تجمع بين قوة الاحتمال، ومرارة التجربة.
و هكذا تعد قصيدة (عُد بي) نصاً وجدانياً ناضجاً، يجمع بين صدق التجربة، وقوة الصورة ،وجزالة اللغة. وقد نجح الشاعر فواز الحمفيش، في تحويل معاناته الذاتية ،إلى تجربة إنسانية عامة، تلامس وجدان القارئ، فيما تتجلى خصوصية النص في قدرته على الموازنة بين الانكسار الداخلي، والإصرار على التمسك بالحلم، وهو ما منحه عمقاً شعورياً، وأثراً جمالياً واضحين.