نقطة ضوء
مواقع النبش في الجمر
محمد صاحب سلطان
لا يقصد بهذا العنوان التشكيك بالظن بقدر ما يعبر عن مرارة تمور في النفس، إذ يبدو إن جميع المناوشات والمماحكات التي نشهدها هذه الأيام في وسائل الإعلام المختلفة ولا سيما مواقع شبكات التواصل أو في الفضائيات التي يتبع أغلبها لهذا الطرف أو ذاك، بل وحتى ما يشغل الناس آنيا من أحداث تخص وقائع مباريات كأس العالم، لم تصل بالناس إلى حافة الصراع والإختلاف في وجهات النظر حد التقاتل على ما هم عليه من تعصب في الموقف والرأي، لكن بعضها أخذ منحى التهجم والتجييش، حتى سادت لغة الإبتذال في التعبير من خلال تسويق مفردات لا تليق بإن تقرأ أو تسمع، تصاحب مشاهد تنفر منها العيون، كونها تنبش الجمر الثاوي في القلوب المريضة!، حتى بات الجميع، يحاول أن يظهر نفسه أو من يمثله أو حتى من يتعاطف معه، وكأنه (المنتصر) الذي من حقه أن يكتب التاريخ لوحده!، منها ما تلاحظونه في التعليقات على أحداث مباريات كرة القدم العالمية، وتقلب الجمهور من مؤيد ومشجع مرة، إلى لاعن وشتام ومتشفي بأخرى، وهكذا دواليك، فلكل فريق توصيف وحال، في كل مباراة، وهذا يذكرني بحادثة تاريخية قرأتها منذ سنوات، عندما دخل نابليون (جزيرة ألبا) متوجها إلى باريس، قال الفرنسيون (الخائن في الطريق إلى باريس)، وعندما إقترب من أسوار باريس، قالوا (نابليون على أبواب باريس)، وعندما دخلها قالوا (البطل في باريس)!.
لذلك لا يجوز للمرء أن يتسرع في إصدار الأحكام، والتحول من موضوع إلى نقيضه من دون التأكد مما سمع أو شاهد أو قرأ، فسهولة استخدام مواقع التواصل الإجتماعي لا تجيز لنا الإساءة إلى الآخرين أو النيل من سمعتهم أو كرامتهم، أو تبيح لنا التدخل في شؤونهم الشخصية، بوصفهم شخصيات عامة من حق جمهورهم التدخل بجزئيات حياتهم أو أعمالهم أو علاقاتهم، فالكلام الجارح الذي يطلق على البعض من دون وجه حق، لا تعادله ملايين الإعتذارات اللاحقة، حتى تحولت مواقع التواصل في بعض الأحيان، من عوامل نعمة معلوماتية إلى مسببات نقمة مؤذية، تشل حركة الناس وتقلق راحتهم وتجحظ عيونهم بما لا يليق، حتى بات الخوف على سلوك أطفالهم من سرطان النشر الخادش للحياء، مبلغ همهم، فيما أدوات النشر تتلاعب بكرات الإساءة بحجة كشف المستور ومعاقبة المسيئ عن طريق التعرض لسلوكه المشين من خلال عرضه، متناسين إن ما ينشر، يراه كل الناس ومن مختلف الفئات العمرية، فأية حرية أداتها سكين سامة تقطع في لحم المتلقي؟، فالحرية في مملكة الحيوان-كما يقول بعضهم - تحمى بالمخالب والأنياب، وتهرق الدماء في سبيل الحفاظ عليها، أما في مملكة بني البشر، الحرية تعد مبرر الوجود والإستمرار، إذا فقدت غدت الحياة الوجه الثاني للموت!، هكذا تفهم العقول المتنورة معنى الحرية، لا كما يفهمها الجهلة من أصحاب العقول المنغلقة على السحت الحرام واللحم الشائن و أذى الآخرين.
لذلك نحن بإمس الحاجة إلى إشاعة التوعية المجتمعية بشإن مخاطرها، فهي أكثر فتكا من الأمراض السرطانية، كونها تتوجه إلى عقل الإنسان وتشل طاقاته الإيجابية بل وتحد من نموه العقلي، صحيح الكثير من البلدان أوجدت قوانين ضابطة ساعية إلى الحد من إنتشار المحتوى الهابط،وبعضها وضع ضوابط للنشر وأحكم القيد على العاملين في تلك المواقع، وبدأت محاكم النشر بالمحاسبة وتغليظ العقوبة، لكن الأمر ظل في أوله، فهو بحاجة إلى تكاتف مجتمعي، وإلى ثقافة تسهم بها كل الشرائح في القطاعات التعليمية والإعلامية والدينية، والمنظمات الجماهيرية والشبابية والطلابية، والروابط النسائية، في الدعوة إلى لغة مخاطبة ترقى إلى المستوى الإنساني، تحمي الكرامة وتخلق أجواء الوئام والتفاهم وروح التبصير والمسؤولية، ومن دونها سينسى المواطن المسكين حتى الحليب الذي رضعه ويبدء من الصفر في كل مرة، يشاهد أو يستمع لذات الشخوص القميئة و دورهم يتعاظم في تخريب النفوس والعقول من دون رادع؟، ولحين حل هذا الإشكال المرعب، تبقى أوجاع المواطن مغيبة وأنينه غير مسموع، والسلام!؟.