الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
متحف الأصوات الميتة

بواسطة azzaman

متحف الأصوات الميتة

سرحان محمد علي الكاكئي

 

 لم يكن كريم ينبش عظام المقابر لأجل ثراء. الرجل يطارد شيئاً آخر:  الصدى عقيدة استبدت به. الجدران الباردة ليست صامتة. الجمادات لا تنسى. هي أشرطة تسجيل عملاقة تجرّعت، عبر الأحقاب، حكايات البشر. الفكرة علمية بجنون. الموجة الصوتية إن فقدت طاقة دفعها لا تموت. تسقط خائرة. تنام فوق الأسطح. تتحول بمرور الأيام إلى غبار مجهري. رماد رمادي.

في قبو بيته الغارق في العتمة، يمارس طقسه. "أثريّ صوتي".

بفرشاة معدنية خشنة، يقشط رويداً ذلك السخام الرابض فوق مرآة فرنسية عتيقة. القرن الثامن عشر. جمع المسحوق كله. ذرّهُ داخل جهاز ابتكره بيديه لإعادة صهر الذبذبات الميتة. تحويلها إلى ترددات مسموعة. ثم.. ضغط المفتاح.

تسلل من المذياع العجوز نحيب حاد. يثقب الطبلة. عقبه همس بارد لامرأة مخنوقة: "لن يقعوا على الجثة.. البلاط تحت المطبخ عميق جداً".

تسمر كريم. سقطت الأدوات من كفه. كانت تلك أول جريمة قتل تصله تفاصيلها دافئة. من ركام الماضي السحيق.

منذ تلك اللحظة.. انفرط عقاله. الاستحالة صارت هوساً بطعم الدم. بات يتسلل إلى المصحات العقلية المهجورة. يقشط جدرانها. يسرق غبار الزنازين المنسية. يجمع حطام الخشب من السفن الغارقة. أسس لنفسه "ديوان التاريخ السري". استمع لرسائل عشق مات أصحابها رعباً. اعترافات أخيرة لرجال ذُبحوا في العتمة. مؤامرات سياسية طيرت عروشاً ولم تلمحها عين مؤرخ قط.

لكن النبش في الأكفان له ضريبة مهلكة.

الأصوات التي حررها لم ترحل. الغبار المقشوط المتطاير في الهواء بدأ يعيد غزل نفسه. في الزوايا. باتت سقوف البيت تثرثر وحدها. ما إن يغمض عينيه حتى يباغته صراخ فيلق من جنود العصور الوسطى. في صالونه. يدخل الحمام، فيسمع بكاء امرأة قضت في ذات البقعة قبل قرنين.

جن جنونه. في ليلة خانقة، قرر حرق كل شيء. تدمير الآلة.

وهو يتحرك بارتباك محموم، تعثرت ركبته بطاولة. سقطت قارورة زجاجية صغيرة كان قد جمع فيها غبار غرفته هو. غباراً لم يمضِ على استقراره فوق جدرانه سوى أربع وعشرين ساعة فقط.

بجوع انتحاري، غامر. شغلها للمرة الأخيرة.

انطلق الصوت. لم يكن ماضياً. كان صوته هو. نعم، نبرته المرعوبة ذاتها وهي تصرخ من المستقبل القريب: "إياك وتشغيل القارورة القادمة! الأصوات ليست ذكريات.. إنها مسوخ تلحس الصمت وتنبت لها أجساد من حاسة سمعنا".

التفت كريم ببطء. يحبس أنفاسه.

لم يجد حائط غرفته المعتاد. رأى أمواجاً من السواد تتكتل في الزاوية. صانعة أفواهاً آدمية شاسعة.. تستعد لابتلاع صمته إلى الأبد.

 

 

 


مشاهدات 87
الكاتب سرحان محمد علي الكاكئي
أضيف 2026/06/23 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 2:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 172 الشهر 22842 الكلي 15898323
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير