الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطبيب الأول للأطفال كما عايشته خلال دراستي في موسكوب

بواسطة azzaman

الطبيب الأول للأطفال كما عايشته خلال دراستي في موسكو

وليد الحيالي

 

خلال الفترة الممتدة من عام 1980 ولغاية عام 1986، وهي سنوات دراستي العليا في موسكو، عشتُ تجربة إنسانية ومهنية تركت في نفسي أثرًا عميقًا، وما زلت أستعيدها كلما تأملت معنى الطب، لا بوصفه علاجًا للجسد فحسب، بل بوصفه علاقة رعاية وثقة ومحبة.

عندما التحقتُ بالدراسة في موسكو، كانت ابنتي لينا، رحمها الله، قد جاءت برفقتي مع العائلة، ولم تكن قد تجاوزت الثانية من عمرها. وفي ظل النظام الصحي السوفيتي السابق، كان لكل طفل طبيب خاص يُخصَّص له منذ ولادته، ويرافقه طبيًا وصحيًا حتى بلوغه السادسة عشرة من عمره. وهكذا خُصصت للينا طبيبة أطفال تشرف على صحتها العامة، وتتابع نموها، وتعالجها إذا ألمّ بها مرض أو أصابتها وعكة صحية.

والحق أنني، بعد مرور هذه السنوات الطويلة، لم أعد أتذكر اسم تلك الطبيبة، لكنني لا أزال أتذكر ملامح حضورها الإنساني، وطريقتها الهادئة في التعامل مع الأطفال، وحرصها العميق على بناء علاقة ودّية معهم قبل أن تبدأ أي إجراء طبي.

كان من قواعد الرعاية الصحية للأطفال أن تُجرى لهم فحوصات دورية كل ثلاثة أشهر، تشمل التحاليل الطبية، وقياس الوزن والطول، ومتابعة النمو العام، وكل ما تتطلبه الحالة الصحية للطفل. أما إذا أصيب الطفل بمرض مفاجئ أو ارتفعت حرارته، فكان يبقى في البيت، وتأتي الطبيبة إليه، لا كما اعتدنا في أنظمة صحية أخرى حيث يُحمل الطفل المريض إلى العيادة وهو متعب وخائف.كانت الطبيبة تدخل البيت وفي جيبها غالبًا هدية بسيطة للطفل، ولو قطعة حلوى صغيرة. لم تكن الهدية ذات قيمة مادية، لكنها كانت تحمل معنى كبيرًا في نفس الطفل. كانت تقول له، بصمتها وابتسامتها، إن الطبيب ليس مصدر خوف، ولا رمزًا للعقاب، بل صديق جاء ليخفف الألم ويطمئن القلب.

رغبات صغيرة

وكانت تمكث إلى جانب لينا قرابة الساعة، لا لتفحصها فقط، بل لتحدثها، وتلاعبها أحيانًا، وتتعرف على رغباتها الصغيرة، وتكسب ثقتها خطوة بعد أخرى. وبهذه الطريقة الإنسانية كانت الرعاية الطبية تتحول إلى علاقة نفسية وتربوية، لا مجرد وصفة دواء أو قياس حرارة.

لقد أثمرت تلك العلاقة أثرًا عجيبًا في نفس لينا. كانت إذا صادفت طبيبتها في الشارع أو في مكان عام، تهرع إليها راكضة، تحتضنها وتتعلق بها وكأنها أم ثانية. وكان مشهدًا مؤثرًا أن ترى طفلة صغيرة تجد في طبيبتها ملاذًا آمنًا لا مصدرًا للرهبة.

ولهذا، عندما كنت أقول للينا: «هيا نذهب إلى الطبيبة»، كانت تفرح وتسعد، وكأنها ذاهبة إلى حديقة ألعاب، لا إلى عيادة طبية. لم يكن اسم الطبيب في وعيها مرتبطًا بالألم أو الإبرة أو الخوف، بل بالمساعدة والرعاية والابتسامة.

ومن خلال هذه التجربة أدركت أن الطب، حين يُمارس بروح إنسانية، يستطيع أن يرسخ في وعي الطفل مفهومًا بالغ الأهمية: أن الطبيب ليس عقوبة، وليس تهديدًا، وليس وجهًا من وجوه الخوف، بل هو يد تمتد للمساعدة، وقلب يشارك في التربية، وعقل يحرس الصحة منذ الطفولة.

لقد كان ذلك جانبًا مضيئًا من النظام الصحي السوفيتي كما عايشته عن قرب؛ نظامًا لم يكن ينظر إلى الطفل باعتباره مريضًا عابرًا، بل كإنسان صغير يحتاج إلى متابعة، ورعاية، وبناء ثقة، وحماية نفسية قبل الحماية الجسدية.

وربما لهذا السبب بقيت صورة تلك الطبيبة حاضرة في ذاكرتي، رغم أن اسمها غاب عني. فالأسماء قد تنساها الذاكرة، لكن الأثر الإنساني الصادق لا يغيب. رحم الله ابنتي لينا، فقد كانت طفولتها في موسكو شاهدة على معنى جميل من معاني الطب: أن العلاج يبدأ أحيانًا من ابتسامة، ومن قطعة حلوى، ومن طبيبة تعرف كيف تقترب من قلب طفل قبل أن تقترب من جسده.

 

ثورة العشرين والعارضيات

بين شمولية وخصوصية الإنجاز

مارد عبد الحسن الحسن

 

تكتسب الوقائع التاريخية  مصداقية تامة ،إذا كانت مدعومة بشهادات شخصيات  لاغبار على أمانتها  بعد ان يكون  التأكيد على صحة  مواقفها قد اخذ طريقه من الموثوقية ،وحين يكون البعد الوطني السيادي  التحرري  هو مغذي تلك الوقائع  تكون المعنويات هي المتقدمة اذا استمدت حضورها  بالمزيد من نسيج القوة والصبر  .

 ومن جملة الوقائع  التي تتميز بوثوقيتها في هذا الشأن، شهادات  عن  ثورة العشرين في مواجهة الاحتلال البريطاني للعراق على هامش اندلاع الحرب العالمية الاولى عام  1914 والتي استمرت ذيولها المتعددة اربع سنوات عجاف .

لقد كانت نزعة الخلاص لدى العراقيين في اوج  صعودها انتسابا الى  حالة التململ والرفض العراقي السائد انذاك   من السيطرة العثمانية . التي حاولت بكل الوسائل الخبيثة طمس الهوية العراقية ، ومع الاسف ان  النظرة العراقية النضالية ازاء رفض السيطرة العثمانية لم تعط الحيز المطلوب من التحليل عند  تناول ثورة العشرين . وبمعنى مضاف  ،ان الثائرين العراقيين كانوا على بينة وطنية خالصة موحدة في رفض استبدال الاحتلال العثماني بالاحتلال البريطاني . ان من جملة الوقائع المدعومة التي تناولت تلك الثورة ما أوردته  في كتابي الصادر عام 2007 بعنوان (  عشيرة   بني عارض ، الحقائق التاريخية والمواقف الوطنية) ، فقد حرصت ان ادون شهادات  قد وثقت تلك الفترة  ، وتوقفت عند معركة العارضيات ،وقائع ودلالات واستنتاجات ،  وخاصة الدور البطولي لشخصيتين  احتلا مراكز ميدانية متقدمة فيها ،هما ،عمي ، سوادي الحسون ،  ووالدي عبد الحسن الحسون في تلك المعركة التي خصص لها البريطانيون مساحة وازنة من  تدوينات وزارة الخارجية البريطانية وتم الكشف عن بعضها بعد مرور  نصف قرن على صدورها واعتمادها ، ولكي اضع امام القارئ الكريم  صورة بملامح دقيقة عنها  لابد  من التوقف عند مؤشرات  يمكن البناء عليها في الكشف عما جرى .ان واحدة من مميزات ثورة  العشرين الروح الشبابية التي ميزتها من خلال العقول الوطنية الراجحة التي استطاعت ان تستقطب العديد من الشباب الذين كانوا قادة ميدانيين  على المستوى السوقي العام ، واذا كان قد قيل الكثير عن عفوية التصدي العراقي  ضد الاحتلال ، فأنها ومن ذات العفوية كانت هناك منظومة اجتهادات  عسكرية سوقية  نضالية شعبيية يحكمها   النضج التعبوي العام ، وهذا بحد ذاته انعكس بالمزيد من الاقتحامات  المتميزة .

رصيد وطني

إن ما  قدمه سوادي وعبد الحسن الحسون  قد جعل منهما شخصيتين على جانب كبير من الرصيد  الوطني  المتجدد ولذلك ليس إعتابطاً  ان ينشغل والدي عبد الحسن بالانصراف الى القضايا العشائرية ،فقد ذاع صيته بلقب ( الحبيچي) ، اي الذي يملك قدرة منطقية  على حبك الكلام وجعل المقابل له تحت تأثير الموافقة  على ما يطرحه  واعتقد أن مداولاته  المرحلة السابقة خلال تلك الثورة قد  صقلت مواقفه الى حد كبير ،كما ليس اعتباطاً  ان يتم انتخاب سوادي الحسون نائبا في مجلس الامة أبان الحكم الملكي في العراق  لخمس دورات انتخابية وهو  ما لم يحظ به مرشحون غيره لولا دوره في ثورة العشرين

ان ما حققه   سوادي الحسون وعبد الحسن الحسون  واخوانهم شيوخ ورجال بني عارض في ثورة العشرين بصورة عامة ، وبمعركة العارضيات بصورة خاصة ، كان له اثر ايجابي كبير في المرحلة الوطنية العامة اللاحقة التي شهدها العراق ، فقد  بقيت  معركة العارضيات ومازالت  مصدر الهام  وطني كبير على صعيد دور المرأة العراقية فقد  تضمنت الوقائع بروز شاعرات عراقيات يمجدن ما حصل كما ان العديد من النساء تطوعن  اثناء المعركة لتامين اطعام  المقاتلين الثوار على مدار الساعة . ولذلك من المهم ان لا نبخس البعد الاجتماعي والنفسي لمعركة العارضيات  من هذه الزاوية بالذات .


مشاهدات 42
الكاتب وليد الحيالي
أضيف 2026/06/27 - 1:28 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 3:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 175 الشهر 25627 الكلي 15901108
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير